المساواة هي: "المماثلة والعدالة"، أي:
المماثلة والمشابهة بين الشيئين في القدر والقيمة. فإذا قلنا: الإنسان يتساوى مع
أخيه الإنسان، إنما ذلك يعني أنه يكافئه في الرتبة، ويعادله في القيمة الإنسانية،
وله من الحقوق مثل ما عليه، وعليه من الواجبات مثل ما عليه. المساواة قيمة أخلاقية
مهمة في حياة الناس؛ حيث أنها تدفع التميز بين أفراد المجتمع في الحصول على ما
يحتاجون إليه أو ينتفعون به. وهي خلق قويم أقرها الشرع، ورضي به العقل، وأملاها
الواقع الاجتماعي المتمدن. والمساواة في المفهوم الإسلامي تعني التسوية بين البشر
في حقوق الكيان الإنساني: الجنس والعرق واللون والجاه والبيئة. ومن مظاهر هذه
المساواة المساواة بين القوي والضعيف، والغني والفقير، والحر والعبد، والمسلمين
وغير المسلمين. فغير المسلمين في بلد المسلمين لهم نفس الحقوق العامة (حقوق الكيان
الإنساني) التي للمسلمين وعليهم ما عليهم من الالتزامات، سواء ما كان يتعلق بشئون
الدين والعقيدة؛ وأنهم متساون مع المسلمين في الانتفاع ببيت المال: فقد اتفق علماء
المسلمين على أن للذمي حقاً في بيت المال وأنه سواء مع المسلم في هذا الحق، إذا
صار شيخاً كبيراً، أو عاجزاً عن الكسب والعمل؛ والمساواة في التوظيف كل التوظيف
إلا ما يتعلق بالعقيدة. أما التسوية الحسابية في الحقوق الفرعية التي تؤدي إلى
المساواة بين غير المتماثلين، فإنها معنى يختلف عن التسوية في الآدمية التي كرمها
الله. فحينما تختلف أحوال الناس وأوضاعهم، وتختلف أزمنتهم وأمكنتهم، ويوجد التنوع
في الأجناس والألوان واللغات، والغنى والفقر، والقوة والضعف، والعلم والجهل،
ويختلف الموقع الاجتماعي والاقتصادي بين الناس، حينذاك تفرض المجتمعات معايير
للتفاضل بين الناس، إزاء هذا التنوع والاختلاف. فعلى سبيل المثل لا الحصر: هل يمكن
المساواة بين الناس في الوظائف والأجور؟
وقد حث القرآن الكريم على المساواة، فقال الله سبحانه
وتعالى: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ
وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ
خَلَقْنَا تَفْضِيلًا" (سورة الإسراء 70). والتكرم هنا شامل للجنس كله؛ فجنس
الإنسان مُكرَّم عند الله بلا تفرقة بين مجموعة وأخرى، بما لا يسمح بتحكم فئة أو
طبقة تدعي لنفسها الاستعلاء بالبيئة أو العنصر أو اللون أو الجاه على الفئات
الأخرى، بل إن الإسلام ألغى كل سبب يدفع الإنسان إلى الاستعلاء والتحكم في
الآخرين، فقد قال سبحانه وتعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ
الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ
مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً" (سورة النساء 1).
ذكرت المساواة في أحاديث النبي صلى الله
عليه وسلم في تشبيه بديع في قوله صلى الله عليه وسلم: "النَّاسُ سَوَاءٌ
كَأَسْنَانِ الْمُشْطِ، وَإِنَّمَا يَتَفَاضَلُونَ بِالْعَافِيَةِ، وَالْمُسْلِمُ
كَثِيرٌ بِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَلَا خَيْرَ فِي صُحْبَةِ مَنْ لَا يَرَى لَكَ
مِثْلَ الَّذِي تَرَى لَهُ" (الراوي: سلمة بن دينار المدني؛ المصدر: لسان
الميزان). ولم تقتصر السنة على ذكر المساواة تنظيراً، ولكن طبقتها عملياً وواقعاً،
وذلك فيما روي عن سيدنا أبو ذر الغفاري أنه قال: "لَقِيتُ (الْمَعْرُورُ بْنُ
سُوَيْدٍ) أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ
حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا
فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ
جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ،
فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ،
وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ
كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ" (الراوي: أبو ذر الغفاري؛ المصدر: صحيح
البخاري). الإسلام دِينُ الأخلاقِ العاليةِ والآدابِ الساميةِ مع الناسِ كلهم حتى
مع الخَدَمِ، وهو دِينٌ لم يُفرِّقْ بين الناسِ ولم يُمَايزْ بينهم بالأنسابِ ولا
الأحسابِ، ولا بالعِرْقِ ولا باللَّونِ، وإنَّما التَّمايزُ بالتقوَى والعمَلِ
الصَّالحِ.
.png)
تعليقات