قصة مؤمن آل فرعون هي قصة الصراع بين الحق والباطل. تلك القصة التي
لا تتغير ولا تتبدل على امتداد الزمن، وإن اختلفت شخوصها واحداثها. فالطغاة
والجبابرة في كل العصور والأزمن ديدنهم واحدة، وكبرهم واستكبارهم وقهر من دونهم لا
يتبدل أو يتغير. وكذلك، نهايتهم واحدة: كسر أنفهم وتدميرهم وتدمير مساكنهم. للباطل
جوله وللحق جولات، فالباطل ينتفش ويبدو بأسبابه الأرضية كأنه على كل شيء قدير. لكن
الحق الثابت الذي يستمد قوته من الله عز وجل يدمغه فإذا هو زاهق. وويل لمن يتبعون
الباطل من عذاب أليم في الدنيا والأخرة.
الباطل مثل الزبد والرغوة والغثاء الذي يكون على سطح السيل، تراه ظاهر
على السطح. لكن ظهوره ظهور وقتي لا يلبث أن يزول. مصدقا لقول الله سبحانه وتعالى
في كتابه الكريم: "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا
يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ" [الرعد:17]. يمكث في الأرض، أي:يبقى
ويدوم، بركاته دائمة، وعطاء لا ينقطع.
قصة مؤمن آل فرعون تصور مشهد من مشاهد الصراع بين الحق والباطل، عظة
لمن له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد. فالحق يمثله مؤمن آل فرعون الرجل الصادق قوي الإيمان
الذي يدعو إلى الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة. والباطل يمثله فرعون وملئه ومن استخف من قومه.
في السطور التالية مشاهد الصراع بين الحق والباطل ليستيقن أهل الحق فيزدادوا
إيمانا مع إيمانهم، وليعلم أهل البطل العاقبة السيئة للباطل في الدنيا والآخرة..
تبدأ مشاهد هذه القصة بإخبار الله أن مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه
من فرعون. يقول المفسرون: ما كان يكتم أيمانه خوفاً؛ وإلا ما كان أظهره في أحرج
الأوقات، عندما قال فرعون: "ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ
إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ
الْفَسَادَ” [غافر:26]. فلو كان يكتم إيمانه خوفاً من
فرعون لكان أجدر به أن يستمر على كتم إيمانه، وقد وصل الحال مع فرعون إلى أنه هدد
بقتل موسى، وقال: ذَرُونِي أَقْتُلْ
مُوسَى. فمؤمن آل فرعون وكل مؤمن يعلم يقيننا أن من يعمل ويتاجر مع الله عز وجل،
لا يمكن أن يخسر بحال من الأحوال. فالله سبحانه وتعالى يقول: “إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ
كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا
وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ”
[فاطر:29]، و يقول سبحانه: “وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ
أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا”
[النساء:74]. ومن يحارب شرع الله عز وجل ويصد الناس عن منهج الله وطريقه القويم
فهو في خسارة وبوار في الدنيا والآخرة؛ مصدقا لقول الله سبحانه وتعالى: “إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا
ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى
جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ" [الأنفال:36].
تنتقل القصة إلى مشهد آخر، يصور فيه الله حال فرعون وهو يطلب من
الملأ من حوله ألا يمنعوه من قتل سيدنا موسى عليه السلام، فيقول الله سبحانه
وتعالى: "وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ
إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ
الْفَسَادَ" [غافر:26]. هل كان فرعون جاد في قتل سيدنا موسى؟ الظاهر من
الآيات: أن فرعون -لعنه الله- كان قد استيقن أن سيدنا موسى عليه السلام نبي، وأن
ما جاء به آيات وما هو بسحر، وذلك في قول الله عز وجل: "وَجَحَدُوا بِهَا
وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا" [النمل:14]. وقول موسى: "لَقَدْ عَلِمْتَ مَا
أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي
لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا" [الإسراء:102]، أي: المعجزات التسع
الواضحة الدلالة على صدق سيدنا موسى في نبوته وصدق دعوته. فقد أنكروا أن هذه
الآيات من عند الله بألسنتهم، إلا أنهم استيقنوها في قلوبهم، وعلموا أنها من عند
الله رب السموات والأرض، وأنها شاهد على نبوة سيدنا موسى عليه السلام، ودلة على
وحدانية الله تعالى في ربوبيته وألوهيته. فكان عاقبتهم أن أغرقهم الله في البحر؟
وفي ذلك عبرة لمن يعتبر. وقوله: "وَلْيَدْعُ
رَبَّهُ" أي: زعم -قبحه الله- أنه لولا مراعاة خواطر قومه لقتل سيدنا موسى عليه السلام، وإيهاماً أنهم هم الذين يكفونه، و
استكبار وغرورا قال هذا الفرعون الفاسد الفاسق: وليطلب سيدنا موسى من ربه أن يمنعه
مني. هذا ما كان يظهره فرعون أمام قومه، أما ما كان
يخفيه في نفسه هو الخوفا و الرعب أن هم بقتل سيدنا موسى أن يعجل الله بزوال ملكه و
هلاكه. وهل لقاتل سفاكاً للدماء مثل فرعون يقتل الولدان لرؤية رأها أنه يولد في
تاريخه غلام يكون هلاك ملكه على يديه. ألا يقتل من أحس منه بأنه هو الذي يثل عرشه
ويهدم ملكه. كان فرعون يعلل قتله لسيدنا موسى، إزالة لشره في الأرض فقال: "إِنِّي
أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ } الذي أنتم
عليه { أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ. و أعجب ما في قول فرعون، أن يكون شر
الخلق ينصح الناس عن اتباع خير الخلق هذا من التمويه والترويج الذي لا يدخل إلا
عقل من قال الله فيهم: "فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ
كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ" (سورة الزخرف: 54). هؤلاء الفاسقون كانوا
يعبدونه ويعبدون الأصنام بدليل قوله: "وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ"
[الأعراف:127]. كان يقول لهم: إني أخاف أن يفسد عليكم دينكم بدعوتكم إلى دينه، أو
يفسد عليكم دنياكم بما يظهر من الفتن بسببه وهكذا أهل الباطل دائماً، فهم يصورون
أن أهل الإيمان والالتزام سوف يذهبون بطريقتهم المثلى، وأنهم على حضارة، وعلى نور
وخير، وأن هؤلاء يريدون أن يردوا الناس إلى عصور الظلام، هكذا أهل الباطل، يلبسون
الباطل ثوب الحق والحق ثوب الباطل.
ولما هدد فرعون بقتل سيدنا موسى عليه السلام لجأ واستجار بالله سبحانه وتعالى وهذا ديدنا
أهل الحق دائما إذا علا الباطل وتجبر. فقال كما يسجل القرآن الكريم في قول الله
سبحانه وتعالى: "وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ
كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ [غافر:27]. وقال الرجل المؤمن
كما تذكر آيات القرآن الكريم: "وَقَالَ
رَجُلٞ مُّؤۡمِنٞ مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَكۡتُمُ إِيمَٰنَهُۥٓ أَتَقۡتُلُونَ رَجُلًا
أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدۡ جَآءَكُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ مِن رَّبِّكُمۡۖ وَإِن
يَكُ كَٰذِبٗا فَعَلَيۡهِ كَذِبُهُۥۖ وَإِن يَكُ صَادِقٗا يُصِبۡكُم بَعۡضُ ٱلَّذِي
يَعِدُكُمۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ كَذَّابٞ٢٨" [غافر:28].
قال الزمخشري في ما معناه: أترتكبون قتل نفس محرمة، وما لكم علة قط في ارتكابها
إلا كلمة الحق التي نطق بها، وهي قوله: ربي الله، كيف يقتل إنسان يقول: ربي الله؟
وقد جاءكم بينات عدة من عند من نسب إليه الربوبية. الم تشهدوا بأم أعينكم إذا ألقي
عصاه قإذا حية تسعى، وإذ أدخل يده في جيبه، ثم يخرجها فتصير بيضاء تشع نوراً،
فيعيدها إلى جيبه فتعود سيرتها الأولى. ثم يقول الرجل المؤمن قد لا يخلو هذا الذي
يدعي أنه نبي، إما أن يكون صادقاً، وإما أن يكون كاذباً، أي: إذا كان يكذب على
الله فالله تعالى ينتقم منه، و لا ينالنا من انتقم الله شيء. وإن كان صادقاً في أن
الله عز وجل أرسله يصبكم بعض الذي يعدكم، وهو في الواقع يصيبهم جميع ما يعدهم به،
ولكن هذا من باب المداراة، وحتى لا يظهر أنه متحامل عليهم، فقال: (يصبكم بعض الذي
يعدكم به)، أي: إن تعرضتم له. و لو كان مسرفاً كذاباً لما هداه الله إلى البينات
وأيده بالمعجزات. وليست المعجزات وحدها هي دلائل النبوة، بل الصدق والأمانة وحسن
السيرة وشرف النسب وغير ذلك مما يدل على الصدق. أما إن كان خذله الله وأهلكه، فلا
حاجة لكم إلى قتله. فالله تعالى لا يهدي من هو مسرف كذاب. والمسرف: المقيم على
المعاصي المستكثر منها، والكذاب: المفتري. ثم يذكرهم بأنهم الآن ظاهرون في الأرض،
وهذا الظهور ظهور وقتي، وأن يدى الله تعمل في الخفاء، وأن النصر وعد الله لرسوله
والذين أمنوا، والهلاك والدمار لمن حاربوا الله ورسوله. فيسجل القرأن الكريم على
لسان الرجل المؤمن قول الله سبحانه وتعالى: "يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ
الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ
جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ
إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر:29]. إلا أن فرعون اعمتها الدنيا وزينته فقال: "مَا
أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى" [غافر:29] أي: ما أقول لكم إلا ما عندي، ليس
عندي حجة ولا دليل ولا برهان ولا مقاومة الحجة بالحجة. وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا
سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر:29] فهو يدعي مجرد ادعاء أنه على سبيل الحق والرشاد،
وأنه يعتقد أنه ينصحهم به. وما كان فرعون على رشاد من الأمر ابدا، بل كان على سفه
وضلال وخبل وخيال. أي إله هذا وهو يطلب النصحية من عبيده من الملأ: "قَالَ لِلۡمَلَإِ
حَوۡلَهُۥٓ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٞ٣٤ يُرِيدُ أَن يُخۡرِجَكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم
بِسِحۡرِهِۦ فَمَاذَا تَأۡمُرُونَ٣٥ قَالُوٓاْ أَرۡجِهۡ وَأَخَاهُ وَٱبۡعَثۡ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ
حَٰشِرِينَ٣٦ يَأۡتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٖ٣٧" (الشعراء: 34-37).
فما كان من الرجل المؤمن إلا أن ذكر فرعون وقومه بما حل بالأمم
السابقة من عذاب جراء تكذيبهم لأنبياءهم واسرارهم على الكفر والمعاصي في قول الله
سبحانه وتعالى: "وَقَالَ ٱلَّذِيٓ
ءَامَنَ يَٰقَوۡمِ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُم مِّثۡلَ يَوۡمِ ٱلۡأَحۡزَابِ٣٠ مِثۡلَ
دَأۡبِ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ وَمَا ٱللَّهُ
يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعِبَادِ٣١ وَيَٰقَوۡمِ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ يَوۡمَ ٱلتَّنَادِ٣٢
يَوۡمَ تُوَلُّونَ مُدۡبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنۡ عَاصِمٖۗ وَمَن يُضۡلِلِ
ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ٣٣" (سورة غافر: 30-33). ثم
ذكرهم بخوفه عليهم يوم التناد (يوم ينادي أهل النار ينادون أهل الجنة، وأهل الجنة
ينادون أهل النار)، يوم تولون هاربين من عذاب جهنهم. وأن لكم ذلك، وقد أحاط بكم
سرادق النار. ثم نبه على قوة ضلالهم وشدة جهالتهم، فقال: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ
فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [غافر:33].
ثم ذكر مؤمن آل فرعون قومه بيوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام،
فقال: "وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ"
[غافر:34]. قال ابن كثير : فما أطاعوه تلك الطاعة إلا بمجرد الوزارة والجاه
الدنيوي؛ ولهذا قال: "فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى
إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا"
[غافر:34]، أي: يئستم فقلتم طامعين: لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا
[غافر:34]؛ وذلك لكفرهم وتكذيبهم، كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ
مُرْتَابٌ [غافر:34] أي: كحالكم هذا يكون حال من يضللهم الله بإسرافه في أفعاله
وارتياب قلبه.
ثم بين الله سبحانه و تعالى أن من يجادل في إبطال آيات الله و يكذبها
بغير حجة. يمقتهم الله ويمقتهم المؤمنون. وأن الله يطبع على قلوب أصحاب الجدل حتى
كذبوا وجادلوا بالباطل؛ كما يطبع على كل قلب متكبر عن عبادة الله وتوحيده، فيقول
وقوله الحق:"الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ
أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ
يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ [غافر:35].
ويقول الله سبحانه وتعالى:
"وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰهَٰمَٰنُ ٱبۡنِ لِي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَبۡلُغُ ٱلۡأَسۡبَٰبَ٣٦ أَسۡبَٰبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ
وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ كَٰذِبٗاۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ
وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِۚ وَمَا كَيۡدُ فِرۡعَوۡنَ إِلَّا فِي تَبَابٖ٣٧" (غافر:
36-37)، أي: يريد فرعون من هامان أن يبني له برجاً عالياً يصعد عليه
ليؤكد لقومه أنه ليس فوق السماء إله يعبد. أو أنه ليس هناك إله أرسل موسى. هذا نوع
من الكبر والغطرسة، وأن ليس للعالم ربا غيرى فرعون. وَإِنِّي لاظن موسى كَاذِبًا
في دعواه ذلك، وكذلك، زُيِّنَ
لِفِرْعَوْنَ الشرك والتكذيب، وَصُدَّ عن سبيل الحق.
وقول الله سبحانه وتعالى: وَقَالَ
ٱلَّذِيٓ ءَامَنَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُونِ أَهۡدِكُمۡ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ٣٨ يَٰقَوۡمِ
إِنَّمَا هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا مَتَٰعٞ وَإِنَّ ٱلۡأٓخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلۡقَرَارِ٣٩
مَنۡ عَمِلَ سَيِّئَةٗ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَاۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن
ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ يُرۡزَقُونَ
فِيهَا بِغَيۡرِ حِسَابٖ٤٠" [غافر:38-40]. قال الذي أمن يقوم
تعالوا أهدكم سبيل الرشاد. ثم بين سبيل الرشاد: أن الدنيا متاعها متاع قليل، وأن
الآخرة هي الحيوان لو كانوا يعلمون، وأن الإنسان عندما يعمل صالحاً يجازى بمثله،
والذي يعمل صالحاً يدخل الجنة يرزق فيها بغير حساب، أي: بغير تقدير وموازنة للعمل،
بل أضعاف مضاعفة،
و قال الله سبحانه وتعالى: "وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ
إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ
بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى
الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ۞وَيَٰقَوۡمِ مَا
لِيٓ أَدۡعُوكُمۡ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدۡعُونَنِيٓ إِلَى ٱلنَّارِ٤١ تَدۡعُونَنِي
لِأَكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشۡرِكَ بِهِۦ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞ وَأَنَا۠ أَدۡعُوكُمۡ
إِلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡغَفَّٰرِ٤٢ لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِ لَيۡسَ
لَهُۥ دَعۡوَةٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَلَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ
وَأَنَّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ هُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ٤٣" [غافر:41-43].قال
الشوكاني : كرر الرجل المؤمن دعاءهم إلى الله، وصرح بإيمانه ثم عقد مقارنة منطقية
بين دعواه لهم ودعواهم له، فقال: أنا أدعوكم إلى النجاة من النار ودخول الجنة
بالإيمان بالله وإجابة رسله، و أنت تدعونني إلى النار بما تريدونه مني من الشرك.
فما تدعونني إليه ليس له دعوة توجب له الإلهية في الدنيا ولا في الآخرة، وليس له
شفاعة، وأن مرجعنا ومصيرنا إلى الله بالموت أولاً وبالبعث آخراً، فيجازي كل أحد
بما يستحقه من خير وشر. وَأَنَّ المستهترين بمعاصي الله. ثم قال: "فَسَتَذْكُرُونَ
مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ
بِالْعِبَادِ [غافر:44]. يعني: أنهم يوم القيامة يعلمون صحة ما كان يقول لهم مؤمن
آل فرعون، ويذكرون نصيحته، فيندمون حيث لا
ينفع الندم. ثم قال أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ، أي: أتوكل عليه التوكل
الصادق، فالتوكل الصادق على الله سبب للحفظ والوقاية من كل سوء: كما في قول الله
سبحانه تعالى: "وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3]
أي: كافيه. وقوله تعالى: "الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ
قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا
اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ
لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ [آل عمران:173-174].
لا شك أنهم مكروا به، وإن كان القرآن لم يفصح لنا عن طبيعة هذا
المكر، ولكن بين الله عز وجل أنه وقاه سيئات ما مكروا. وقوله تعالى في هذه الآية
الكريمة: "وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ" [غافر:45] معناه:
أنهم لما أرادوا أن يمكروا بهذا الرجل المؤمن وقاه الله مكرهم، ورد سوء مكرهم
إليهم. فأنجاه الله في الدنيا والآخرة، وأهلك الله فرعون وقومه في الدنيا، وأذاقهم
العذاب في البرزخ والأخرة، في قوله سبحانه وتعالى: "النَّارُ يُعْرَضُونَ
عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا [غافر:46] فهذا عذاب برزخ؛ لأنه قال: وَيَوْمَ
تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]. ويقولون:
الواو تفيد تغاير ما قبلها عما بعدها، يعني: النار يعرضون عليها غدواً وعشياً هذا
عذاب، ثم قال: وَيَوْمَ تَقُومُ
السَّاعَةُ استمال بهم هذا العذاب إلى
قيام الساعة، أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ .
استغفر الله وأصلى وأسلم على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تعليقات