يعرف
الاقتصاديون الإنتاج بمفهوم شامل بأنه: "خلق المنفعة أو زيادتها" (علاء بسيوني). اما
تعريف الإنتاج من منظور إسلامي بأنه: "بذل الإنسان جهده في الموارد لأكتشاف
وتهيئة المنافع الموجودة بها".
التعريف
المادي لايتفق مع حقيقة العملية الإنتاجية من منظور إسلامي. فالخلق في اللغة تعني
ابتداع الشئ على مثال لم يسبق إليه. والخلق بهذا المعنى اسم من أسماء الله الحسنى
يتفرد به الله عز وجل دون غيره، فهو سبحانه الذي خلق الإنسان وما يعمل "وَٱللَّهُ
خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ" (سورة الصفات: 96)؛ وهو الذي خلق كل ما يحتاج
الانسان من موارد في الأرض في قوله: "هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي
ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ
سَمَٰوَٰت وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيم" (سورة البقرة: 29)؛ وهو الذي خلق
المنافع من هذه الموارد سواء كانت موارد حيه في قوله سبحانه وتعالى:
"وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ")سورة النحل: 5 (أو موارد مادية في قوله: "لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا
بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ
ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡس شَدِيد وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ
وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ
قَوِيٌّ عَزِيز" (سورة الحديد: 25). إذا فما يبذله الإنسان من جهد في العملية
الإنتاجية لا ينصرف إلى خلق المنفعة أو زيادتها بل ينصب على اكتشاف ما خلق الله
من منافع في الموارد وتهيئتها في صورة ينتفع بها.
الإنتاج ضروري
وهام لقيام حياة الإنسان. فاللَّه عز وجل خلق الموارد للإنسان في صورة يلزم معها
جهد الإنسان لتهيئتها بما يلبي حاجاته ويشبع حاجاته، وفي هذا لا يوجد اختلاف بين
الفكر الوضعي والفكر الإسلامي. لكن ما يميز الفكر الإسلامي عن الفكر الوضعي في
هذا المجال هو أن الإسلام يرتقي بأهمية الانتاج إلى درجة الوجوب الشرعي، وما يترتب
عليه من مسئولية أمام اللَّه عز وجل.
أمرنا الله
على لسان رسله باعمار الأرض في قوله تعالى "وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ
صَٰلِحاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ
هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ
تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيب مُّجِيب٦١" (سورة هود: 61)، أي
عمارتها ابنية وإنشاءات وزراعة وصناعة. ولا تتأتى عمارة الأرض إلا بالإنتاج في كل
الأنشطة الاقتصادية، إنتاجا قلبه عبادة لله، كما في قول اللَّه عز وجل: "وَمَا
خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ" (سورة الذاريات 56). فبدون
الإنتاج لا يستطيع الإنسان أن يشبع حاجياته ويحفظ حياته ليتمكن من أداء ما كلف به
من عبادات. وأن يتحلى في كل ذلك بالقيم الإسلامية التي تضبط الغرائز والشهوات
بالقناعة والزهد والرضا وترشيد الاستهلاك بلا اسراف أو تبذير أو بذخ. كذلك لم يغفل
القرآن عن تحديد ضوابط التصرف في المال في قول الله سبحانه وتعالى: "وَٱبۡتَغِ
فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ
ٱلدُّنۡيَاۖ وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ وَلَا تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ
فِي ٱلۡأَرۡضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ٧٧" (سورة القصص: 77). وهذه الضوابط هي: أن يلتمس الإنسان
فيما أتاه الله من الأموال ثواب الدار الآخرة؛ وأن يتمتع بهذا المال بالحلال دون
إسراف؛ وأن يحسن إلى الناس بالصدقة، كما أحسن الله إليه بهذه الأموال الكثيرة؛ وأن
لا يبغي على قومه فساد في الأرض. لهذا على كل مسلم مراعاة هذه الضوابط في كل تصرف
اقتصادي حتى يأتى تصرفه متفقاً مع الشريعة، وتكون عاقبته إسعاد الإنسان في حياته
وأخراه.
ومن الهدى
النبوى الشريف الكسب الحلال، في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العبادةُ
عشرةُ أجزاءٍ فتسعةٌ منها في طلبِ الحلالِ تسعةٌ منها في الصمتِ والعاشرةِ كسبُ
اليدِ من الحلالِ" (الراوي: أنس بن مالك؛ المصدر: تخريج الإحياء للعراقي)،
فطلب الحلال في النشاط الاقتصادي يشمل كل ما يقوم به الإنسان من أعمال لاشباع
حاجياته من نشاط زراعي وصناعي وخدمي، بل يرتقي الإسلام بهذه الأعمال إلى درجة
العبادة، ويمثلها بنسبة 90% من العبادة؛ لأنه بالعمل المنتج يستعين الإنسان على
أداء باقي العبادات من صلاة وزكاة وصوم وحج والتي تمثل 10% من العبادة. بل أن
الرسول صلى الله عليه وسلم ينفر من البطالة حتى ولو كان لدى الإنسان ما يكفيه
فيقول صلى الله عليه وسلم: "أشد الناس عذابا يوم القيامة المكفي
الفارغ"، (الراوي: أنس بن مالك؛ المصدر: ضعيف الجامع)، أى الذي لا يعمل لأن
دخله يكفيه. ويؤكد الرسول صلى الله عليه وسلم أن الإنسان يسأل عما منحه اللَّه من
موارد وقدرة بشرية في قوله: "لا تزولُ قدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يسألَ
عن عمرِهِ فيما أفناهُ، وعن عِلمِهِ فيمَ فعلَ، وعن مالِهِ من أينَ اكتسبَهُ وفيمَ
أنفقَهُ، وعن جسمِهِ فيمَ أبلاهُ" (الراوي: أبو برزة الأسلمي نضلة بن عبيد؛
المصدر: صحيح الترمذي)، أى أن الأنسان يسئل عن الطاقات التى اتيحت له مادية
(ماله) وبشرية (بدنية العمر والشباب، وذهنية العلم). ولا تقتصر هذه المساءلة على
الآخرة فقط، لكنها تشمل الدنيا أيضاً. فمن واجبات ولى الأمر أن يجبر القادرون على
الإنتاج في حالة ما كان هناك حاجة إلى إنتاج بعينه.

تعليقات