السعادة في الإسلام هي: "شعور داخلي
يحسه الإنسان بين جوانبه يتمثل في سكينة النفس، وطمأنينة القلب، وانشراح الصدر،
وراحة الضمير والبال نتيجة لاستقامة السلوك الظاهر والباطن المدفوع بقوة
الإيمان".
يعتبر السلوك القويم للفرد المؤمن سبب في
سعادنه في الدنيا بما يحفظ عليه نفسه، وعقله، وماله، ونسله، ودينه؛ وفي سعادته
الأبدية في الأخرة. والسعادة لا تحصل إلا بالإيمان والعمل الصالح. فمن سمات
المؤمن الذي يداوم على عمل الصالحات اطمئنان القلب وهدوء النفس. فحياته كلها عمل
وجهاد في سبيل الله لصالح مجتمعه وأمته التي يعيش فيها. قد يظن البعض أن الإيمان
سببا لجلب السعادة فقط. هذا فهم قاصر لثمار الإيمان الذي يحول بين موانع السعادة
لمن يتحلى به. فالمؤمن يعلم يقينا أنه مبتلى في حياته، وأن ما يبتلى به يعد من
أسباب ممارسته الإيمانية التي تتمثل في الصبر والعزم والثقة بالله والتوكل عليه
والاستغاثة به والخوف منه، وكلها روافد للأخلاق الفاضلة التي تدفعه للإحسان،
وتدفع ما يكدر صفوه ويجلب له الهم والحزن. وتعلق المؤمن بالله يجعله مطمئن القلب
منشرح الصدر، راضي بكل ما يحل به من خير أو شر.
تؤكد الأيات القرآنية أن الحياة الدنيا هي السبيل إلى الآخرة. وأن الإيمان
والعمل الصالح في الدنيا هما سبيل المؤمن في حياة دنيوية طيبة، وأجر حسن في
الأخرة، في قول الله سبحانه وتعالى: "مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ
أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِن فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰة طَيِّبَةۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ
أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ٩٧" (سورة النحل: 97)؛ وفي
قوله سبحانه وتعالى: "الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ
يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ"
(سورة النحل: 32) ؛ وفي قوله سبحانه
وتعالى: "لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ
الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ" (سورة النحل: 30). لا
تخلو الحياة الدنيا من الابتلاءات فهي متقلبة من يسر إلى عسر ومن صحة إلى مرض
ومن فقر إلى غنى أو عكس ذلك. وهذه الابتلاءات تمرس الإنسان على ما أمره ربه من
أسباب الطمأنينة والسعادة والرضا من صبر وقوة إرادة، وعزم وتوكل وشجاعة، وبذل
وحسن الخلق وغير ذلك، كما قال سبحانه وتعالى: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ
مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ
وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ
قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ
صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ" (سورة
البقرة: 155 - 157). فالرضا بما قسم الله والخضوع له هما سبيل السعادة والراحة
النفسية والأمن للمؤمن، وهما ما يجعلا لحياة المؤمن معنى وغاية يسعى لتحقيقها، كما
في قول الله سبحانه وتعالى: "الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا
إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ" (سورة
الأنعام: 82). وإن الإيمان ليس فقط سببا لجلب السعادة بل هو كذلك سبب لدفع
موانعها، كما قال الله تعالى: "إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ
يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ"
(سورة النساء: 104). وأن التحلي بالأخلاق الفاضلة تدفع الإنسان للإحسان إلى
الخلق، كما في قول الله سبحانه وتعالى: "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ
وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ" (سورة
المائدة: 2)؛ وقوله سبحانه وتعالى: "وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا
السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ
وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ* وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا
الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ" (سورة
فصلت: 34، 35). وقوله تعالى: "أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ
الْقُلُوبُ" (سورة الرعد: 28). وأن أعظم الناس خلقا سيدنا رسول الله صلى
الله عليه وسلم كما في قول الله سبحانه وتعالى: "وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ
عَظِيمٍ" (سورة القلم: 4) ؛ وفي قول الله سبحانه وتعالى: "فَبِمَا
رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ
لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ
فِي الْأَمْرِ" (سورة آل عمران: 159). فالتأسى بخلق سيدنا رسول الله من سمات
المؤمن الحق.
صنفت السنة النبوية الناس في الدنيا والآخرة إلى صنفين سعداء وأشقياء، وذلك
فيما يروى عن سيدنا علي كرم الله وجه أنه قال: "كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي
بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فَأَتَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَمَعَهُ مِخصرة فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ
بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ مَا مِنْ نَفْسٍ منفوسة
إلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ، وَالنَّارِ، وَإِلَّا قَدْ كُتِبَ
شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً". فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا
نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ
السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ
مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ؟
قَالَ: "أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ،
وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ". ثُمَّ
قَرَأَ: "{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى}"، (الراوي: سيدنا علي كرم
الله وجه؛ المصدر: صحيح مسلم)؛ وأن السعادة هي طول العمر مع الإنابة إلى الله
وذلك فيما يروى عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال :قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَمَنَّوُا الْمَوْتَ؛ فَإِنَّ
هَوْلَ المطلع شدِيدٌ، وَإِنَّ مِنَ السَّعَادَةِ أَنْ يَطُولَ عُمْرُ الْعَبْدِ،
وَيَرْزُقَهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ"، (الراوي: جابر بن عبدالله؛ المصدر:
ضعيف الترغيب). وأن الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الصَّالِحُ،
وَالْمَرْكَبُ الصَّالِحُ هم مكمن السعادة وذلك فيما
يروى عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلَاثَةٌ: الْمَرْأَةُ
الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الصَّالِحُ (أي: كُلُّ ما
يُركَبُ مِن دابَّةٍ أو سَيَّارةٍ أو غَيرِ ذلك، مِن هَناءَتِها السُّرعةُ
والرَّاحةُ وعَدَمُ الجُموحِ؛ فلا يَخافُ منها السُّقوطَ وانزِعاجَ الأعضاءِ
وتَشويشَ البَدَنِ)، وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ: الْمَرْأَةُ السُّوءُ،
وَالْمَسْكَنُ السُّوءُ، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ"، (الراوي: سعد بن أبي
وقاص؛ المصدر: مجمع الزوائد). وأن حلاوة الإيمان هي مادة الانشراح والسعادة، ولا
تُنال إلا في أعمال محدودة، وبجهود مبذولة، تجعلها فوق النفائس الدنيوية،
واللذاذات الفانية، وذلك فيما يروى عَنْ أنس عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ
الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا
سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ
يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي
النَّارِ"، (الراوي: أنس بن مالك؛ المصدر: صحيح الجامع)، وفيما روى عن
العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ
بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا"،
(الراوي: العباس بن عبدالمطلب؛ المصدر: صحيح مسلم)، وفيما روى عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
"ثَلَاثٌ مَن كُنَّ فيه وجَدَ حَلَاوَةَ الإيمَانِ: مَن كانَ اللَّهُ
ورَسولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ ممَّا سِوَاهُمَا، ومَن أحَبَّ عَبْدًا لا يُحِبُّهُ
إلَّا لِلَّهِ عزَّ وجلَّ، ومَن يَكْرَهُ أنْ يَعُودَ في الكُفْرِ، بَعْدَ إذْ
أنْقَذَهُ اللَّهُ، منه كما يَكْرَهُ أنْ يُلْقَى في النَّارِ"، (الراوي:
أنس بن مالك؛ المصدر: صحيح البخاري).
.png)
تعليقات