الحكمة:
"العلم مع العمل"؛ وهي: "كل كلام وافق الحق فهو حكمة"؛ أو هي:
"وضع شيء في موضعه"؛ أو هي: "ما له عاقبة محمودة". وقال ابن
القيِّم: "الحِكْمَة: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي
ينبغي". وقال النَّووي: "الحِكْمَة، عبارة عن العلم المتَّصف بالأحكام،
المشتمل على المعرفة بالله تبارك وتعالى، المصحوب بنفاذ البصيرة، وتهذيب النَّفس،
وتحقيق الحقِّ، والعمل به، والصدِّ عن اتِّباع الهوى والباطل، والحَكِيم من له
ذلك".
للجكمة ثلاث
درجات: أولها أن تعطي كلَّ شيء حقَّه ولا تعدِّيه حدَّه، ولا تعجِّله عن وقته، ولا
تؤخِّره عنه؛ وثانيها أن تشهد نظر الله في وَعْده، وتعرف عدله في حُكْمه وتلحظ
بِرَّه في منعه؛ وثالثها أن تبلغ في استدلالك البصيرة، وفي إرشادك الحقيقة. وفي
إشارتك الغاية، فتصل باستدلالك إلى أعلى درجات العلم، وهي البصيرة التي تكون نسبة
العلوم فيها إلى القلب كنسبة المرئي إلى البصر، وهذه هي الخصِّيصة التي اختصَّ بها
الصَّحابة عن سائر الأمَّة، وهي أعلى درجات العلماء (موسوعة الأخلاق - الدرر
السنية).
أتت الحكمة في
كتاب الله إما مفردة، أومقترنة بالكتاب. فالحكمة المفردة هي: الفقه والفهم كفقه
وفهم ابن عباس (ترجمان القرآن) بعلم القرآن ناسخه ومنسوخه، ومُحْكَمه ومُتَشَابهه،
ومقدَّمه ومؤخَّره، وحلاله وحرامه، وأمثاله؛ وفسرها الضَّحاك ومجاهد بالقرآن
والعلم والفهم والفقه فيه أو الإصابة في القول والفعل؛ وفسرها النَّخعي بمعاني الأشياء
وفهمها؛ وفسرها الحسن بالورع في دين الله. وأما الحِكْمَة المقرونة بالكتاب، فهي
السُّنَّة كما قال الشافعي وغيره من الأئمة. الحِكْمَة حكمتان حِكْمَة فطريَّة
يؤتيها الله عز وجل لمن يشاء من عباده، وهي التي قصدها سيدنا عمر بن الخطاب رضي
الله عنه في كتابه ألى أبي موسى الأشعري: "إنَّ الحِكْمَة ليست عن كِبَر
السِّن، ولكنَّه عطاء الله يعطيه من يشاء، فإيَّاك ودناءة الأمور، ومُرَّاق
الأخلاق"؛ وحِكْمَةٌ مكتسبةٌ، أي: يكتسبها العبد بالأخذ بأسبابها، واجتناب
موانعها. فإذا ما اكتسيها شخص تجري على ما ينطق من ألفاظ، وتكتسي بها ما يقوم به
من أعمال، ويشهدها النَّاس على أقواله وافعاله.
تأتي كلمة
"الحكمة" في القرآن بمعنى السُّنَّة إذا اقترنت بالقرآن كما في قول الله
سبحانه وتعالى: "رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو
عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ
إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ" (سورة البقرة: )129)؛ وفي قوله:
"كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا
وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا
لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ" (سورة البقرة: 151). وجاءت بمعنى النُّبُوَّة
إذا جاءت مفردة كما في قول الله سبحانه وتعالى: "فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ
اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ
وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ" (سورة
البقرة: 251)؛ وفي قوله: "وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ
وَفَصْلَ الْخِطَابِ" (سورة ص: 20)، وفي قوله: "وَلَمَّا جَاء عِيسَى
بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ
الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ" (الزخرف: 63).
وقد تأتي بمعنى الفقه كما في قول الله سبحانه وتعالى: "يُؤتِي الْحِكْمَةَ
مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا
يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ" (سورة البقرة: 269)؛ أو بمعنى الفَهْم كما في قوله: "وَلَقَدْ
آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا
يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ" (سورة
لقمان: 12)؛ أو بمعنى العِظَة كما في قوله: "حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ
النُّذُرُ" (القمر: 5).
جاءت الحكمة
في السنة النبوية في قول النَّبي صلى الله عليه وسلم: "لا حسد إلا في اثنتين:
رجل آتاه الله مالًا، فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة، فهو يقضي بها
ويعلِّمها"، (الراوي: عبدالله بن مسعود؛ المصدر: صحيح البخاري). فالحكمة هنا
علم نافع يهبها الله لعبد من عباده فيَعمَلُ به، ويُعلِّمُه ويحكم به بين الناس.
فالحكمة كما يقول الأمام النووي كل ما منع من الجهل، وزجر عن القبيح. ويروى عن ابن
عباس رضي الله عنهما قال: ضمَّني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال:
"اللهمَّ علِّمه الحِكْمَة"، (الراوي: عبدالله بن عباس؛ المصدر: صحيح
البخاري). وقيل الحكمة: القرآن، وقيل: العمل به، وقيل: السُّنَّة، وقيل: الإصابة
في القول، وقيل: الخشية، وقيل: الفهم عن الله، وقيل: العقل، وقيل: ما يشهد العقل
بصحته، وقيل: نور يُفرِّق به بين الإلهام والوسواس، وقيل: سرعة الجواب مع الإصابة
(ابن حجر).

تعليقات