التراحم والتواد
والتعاطف هم: "القدرة على أن يرحم الناس بعضهم بعضا لحلاوة الإيمان، والتواصل الجالب للمحبة كالتهادي، وإعانة بعضهم بعضاً".
الأوضاع في
العالم متقلبة، وهناك الكثيرون الذين في حاجة إلى التعاطف معهم. فالتبرع بالمال أو
الطعام أو الوقت أو المأوى للمشردين واصحاب الحاجات يظهر جليا قدرة الأفراد على التراحم
والتواد والتعاطف.
رغب الله
بالتراحم والتعاطف في كثيرٍ من الآيات القرآنية، منها قوله سبحانه وتعالى: "مُّحَمَّد
رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ
بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعا سُجَّدا يَبۡتَغُونَ فَضۡلا مِّنَ ٱللَّهِ
وَرِضۡوَٰناۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَٰلِكَ
مَثَلُهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِۚ وَمَثَلُهُمۡ فِي ٱلۡإِنجِيلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ
شَطۡهُۥ فَازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعۡجِبُ
ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنۡهُم مَّغۡفِرَة وَأَجۡرًا عَظِيمَۢا٢٩" (سورة:
الفتح: 29)؛ وقوله ثناء على أهل الإيمان: "ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡمَرۡحَمَةِ١٧" (سورة:
البلد: 17)؛ واصفا إياهم بأنّهم يتواصون فيما بينهم بأن يكونوا رحماء على بعضهم.
وحثّ الله سبحانه وتعالى المسلمين أن يعينوا بعضهم ويتصدقوا على فقيرهم ويرحموا
ضعيفهم في كثير من الآيات الكريمة، منها قوله تعالى: "وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ
وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ
وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ
وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ
ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالا فَخُورًا٣٦ " (سورة النساء: 36)،
والإحسان إلى هذه الفئات من الأقارب والمجتمع من أرقى أنواع التراحم والتعاطف. ومن
آيات الله الدالة على عظمته أن جعل بين
المرأة وزوجها محبة وشفقة، وذلك في قوله: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم
مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم
مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ" (سورة الروم: 21). ومن صور المودة الممقوتة في القرآن موادة
الألهة الباطلة بالتحاب على عبادتها والتودد على خدمتها، وذلك في قول الله سبحانه
وتعالى: "وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا
مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ
وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ" (سورة العنكبوت: 25). كذلك يأمر الله الذين
أمنوا ألا يتوددوا إلى أعداء الله وأعداءهم سرا بإخبارهم بأخبار الرسول فالله يعلم
ما يخفون وما يظهرون، في قوله سبحانه وتعالى: "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ
إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ
يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمۡ أَن تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ إِن
كُنتُمۡ خَرَجۡتُمۡ جِهَٰدٗا فِي سَبِيلِي وَٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِيۚ تُسِرُّونَ
إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَآ أَخۡفَيۡتُمۡ وَمَآ أَعۡلَنتُمۡۚ
وَمَن يَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ١" (سورة
الممتحنة: 1). وأن المودة الإيمانية بين أعداء الله وأعداءهم ترجع، حال رجوعهم إلى
الإيمان، في قوله: "عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ
الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ" (سورة الممتحنة: 7). وأن المودة بينكم وبين المنافقين موادة ظاهرة
ليست مودة إيمانية مقرها القلب، في قوله: "وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ
اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا
لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا" (سورة النساء: 73). وأن أقرب
الناس مودة للمسلمين النصارى لأن منهم علماء بدينهم متزهدين وعبَّادًا في الصوامع
متنسكين، وأنهم متواضعون لا يستكبرون عن قَبول الحق، وهؤلاء هم الذين قبلوا رسالة
محمد صلى الله عليه وسلم، وآمنوا بها، في قوله: "لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ
ٱلنَّاسِ عَدَٰوَة لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ
وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّة لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ
إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانا وَأَنَّهُمۡ
لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ٨٢ وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ
أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ يَقُولُونَ
رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ٨٣ وَمَا لَنَا لَا نُؤۡمِنُ
بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡحَقِّ وَنَطۡمَعُ أَن يُدۡخِلَنَا رَبُّنَا
مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلصَّٰلِحِينَ٨٤" (سورة المائدة: 82-84).
وشبه سيدنا رسول
الله صلى الله عليه وسلم المسلمين في تراحمه، وتعاطفهم وتوادهم بالجسد الواحد الذي
إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى في فقوله: "إن مثل
المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم وتوادهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى
له سائر الجسد بالسهر والحمى"، (الراوي: النعمان بن بشير ؛المصدر: صحيح
الجامع)، فالتراحم والتعاطف والتواد
يعصمون الجسد المؤمن من التفكك والتشرذم والضعف. وبشر رسول الله الرحمون برحمة الله وأمر المؤمنين
بالتراحم بينهم وبمن حولهم من خلق الله لينالوا رحمة الله في قوله: "الرَّاحِمونَ يرحَمُهم الرَّحمنُ تبارَك وتعالى؛ ارحَموا
مَن في الأرضِ يرحَمْكم مَن في السَّماء"،
(الراوي: عبد الله ابن عمرو؛ المصدر: الإمتاع
لابن حجر).

تعليقات