النَّزَاهَة هي: "اكتساب المال من غير مَهَانة، ولا
ظُلْم، وإنفاقه في المصارف الحميدة"، وهي أيضا: "البعد عن السوء"
(المناوي). ويعرفها أبو طالب المكي بأنها:"التَّباعد من الدَّناءة
والأوساخ". وتعرف حديثا بأنها:"الاستقامة والخلو من النقائص".
ويقصد بالنزاهة:"القضاء على الفساد الذي يحصل نتيجة
سوء استخدام الإدارة والوظيفة، من خلال وضع أسس وقواعد تعمل على ترسيخ مبادئ
السلوكيات العالية، واتباع الأخلاق الحميدة في ممارسات العمل، التي تعكس الأهداف
الإيجابية للمؤسسات في الدولة جراء تطبيق قواعد ومبادئ النزاهة".وعندما
يتحلى الإنسان بالنزاهة، فإنه يفعل الشيء الصحيح في غياب الرقيب أو الحسيب. ومن
الأمثلة الرائعة على النزاهة أن ترجع الفضل لصاحبه في العمل عندما يكون من
الممكن أن تنسبه لنفسك، فكم من أشخاصًا في مناصب عليا نسبوا لأنفسهم الفضل في
إنجاز مشاريع كبيرة وضخمة لم يلعبوا فيه سوى دور ضئيل، فكان شأنهم شأن من قرأ قول
الله سبحانه وتعالي ولم يفهمه أويعقله أو يتدبره:"لَا تَحۡسَبَنَّ
ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ
يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَة مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ
أَلِيم" (سورة آل عمران 188)، فعلى الإنسان أن يحرص على ألا يسطوا على إنجازات
الأخرين وأن يكون قائد نزيها يقدر بكل سرور ومحبه عطاء الأخرين، ويمنح التقدير
والإحترام لكل من يستحق على عمل أو قول أو سلوك.
وقد حض القرأن الكريم على النزاهة في أكثر من موضع. ومن
ما ذكر في القرآن عن النزاهة قول الله سبحانه وتعال:"وَثِيَابَكَ
فَطَهِّرْ" (سورة المدَّثر: 1). ويؤل جمهور السلف هذه الآية من أنَّها
طهارة القلب، وطهارة الجيب، ونزاهة الـنَّفْس عن الدَّنايا والآثام والذُّنوب؛
وقوله:" إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ" (سورة البقرة:
222)، والتي فيها وجوه أحدها: المراد منه الـتَّنْزِيه عن الذُّنوب والمعاصي؛
وذلك لأنَّ التَّائب هو الذي فعل ذنب أو معصية ثمَّ تركها، والمتَطَهِّر هو الذي
لم يفعل الذنب أو المعصية تنزه عنها، ولا ثالث لهذين القسمين، واللَّفظ مُحْتمل
لذلك؛ لأنَّ الذَّنب نجاسة روحانيَّة، ولذلك قال الله:" يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا
الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً
فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ
حَكِيمٌ" (سورة التَّوبة: 28)، فتركه يكون طهارة روحانيَّة.
وقد حضت السنة النبوية الشريفة على النزاهة في قول رسول
الله صلى الله عليه وسلم:"الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما مُشَبَّهات،
لا يعلمها كثير من النَّاس، فمن اتَّقى المشَبَّهات، استبرأ لدينه وعِرْضه، ومن
وقع في الشُّبهات، كرَاعٍ يرعى حول الحِمَى، يوشك أن يُوَاقعه، أَلَا وإنَّ لكلِّ
ملك حِمَى، أَلَا إنَّ حِمَى الله في أرضه محارمه، أَلَا وإنَّ في الجسد مُضْغة،
إذا صَلُحَت، صَلُح الجسد كلُّه، وإذا فَسَدَت، فَسَد الجسد كلُّه، أَلَا وهي
القلب" (الراوي: النُّعمان بن بَشير؛ المصدر: الإلمام بأحاديث
الأحكام)..فالمُسْتَبرئ لدينه، بمعنى: أنَّه طالبٌ له البَرَاء والـنَّزَاهَة مما
يُدَنِّسه ويُشِينه (ابن رجب). والشُّبْهَةُ (في الشَّرع): ما الْتبس أَمرُه فلا
يُدْرَى أَحلالٌ هو أَم حرام، وحقٌّ هو أَم باطل (المعاني الجامع)، ومن الشبهات
في هذا الزمان فوائد البنوك: اختلاف فيها العلماء بين من حللها - وهؤلاء قلة
ظهرات في العصر الحدديث -، ومن حرمها وهؤلا هم جمهور العلماء من الأولين والمجامع
الفقهية في المتاخرين.
.png)
تعليقات