اَلْإِيثَارُ فِي اَلْإِسْلَامُ هو:"تفضيل الغير عن النفس،
وتقديم مصلحتهِ علَى المصلحة الذاتية".وهو أيضا: "أن يقدِّم الإنسان غيره على نفسه في النَّفع له،
والدَّفع عنه، وهو النِّهاية في الأخوة".
الإيثار أَعلى درجات السخاء وأكْمَلُ أنْواعِ الجود، وَأعلى منازل العطاء. والسخاء هو:"أن يبذل الإنسان دون صعوبة أو خوف من
فقر أو حاجة". والجود هو: "أن يعطي الأكثر ويبقي له شيئًا، أو يبقي مثل
ما أعطى". وللإثار منازل أو درجات ثلاث. الأولى أن تطعمهم وتجوع، وتكسوهم
وتعرى، وتسقيهم وتظمأ، في ما لا يحرمه الدين. والثاني هو إرادة وفعل ما فيه مرضات الله
سبحانه وتعالى، ولو أغضب الخَلْق، وهي درجة الأنبياء وأعلاها لأولي العزم منهم،
وذروتها لنبيِّنا صلى الله عليه وسلم. والثالثة أن تنسب إيثارك إلى الله دون نفسك،
وأنَّه هو الذي تفرَّد بالإيثَار لا أنت، فكأنَّك سلمت الإيثَار إليه فإذا آثرت
غيرك بشيء فإنَّ الذي آثره هو الحقُّ لا أنت، فهو المؤْثر حقيقة، وهو ما يعرف
إيثارُ إيثارِ الله تعال (ابن القيم). وللإيثار فوائد كثيرة اهمها أنه يقضي على
البخل والأنانية، ويشجع على البذل والعطاء، ويساعد على القبولُ عند الناس .
وقد حث القرآن على الإيثار في قول الله سبحانه
وتعالى: "وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ
يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً
مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" (الحشر: 9). ويفسر الطبري هذه الآية فيقول: يصفُ الله
الأنصار فيقول: "وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ
قَبْلِهِمْ"، أي: مِن قَبل المهاجرين، "وَيُؤْثِرُونَ عَلَى
أَنفُسِهِمْ"، أي: يعطون المهاجرين أموالهم إيثَارًا لهم بِها على أنفسهم
"وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ"، أي ولو كان للأنصار حاجة وفاقة إلى ما
آثَرُوا به مِن أموالهم على أنفسهم. وقد حث القرأن أيضا على الإيثار في
قوله:"لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ
وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ
ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ
وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ
وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ
وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ
الْمُتَّقُونَ" (البقرة: 177). فبين الله تبارك وتعالى أنَّ مِن البرِّ بعد
الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والأنبياء إطعام الطَّعام لمحتاجيه،
وبذله لمريديه، مع حبِّه واشتهائه والرَّغبة فيه. ونيل البر لا يتأتي إلا بالانفاق
ممَّا نحب، مِن أطيب الأموال وأزكاها كما يقول الله سبحانه وتعالى: "لَنْ
تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ
شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ" (سورة آل عمران: 92). فالانفاق من أطيب
الأموال وأزكاها من أكبر الأدلَّة على سماحة النَّفس، واتِّصافها بمكارم الأخلاق،
ورحمتها ورقَّتها، ومِن أدلِّ الدَّلائل على محبَّة الله، وتقديم محبَّته على
محبَّة الأموال، التي جبلت النُّفوس على قوَّة التَّعلُّق بها.
وقد حثت السنة النبوية على الإيثار في ما روي عن
أبي هريرة أنه قال:"جاء رجل إلى النَّبيِ ﷺ فقال: يا رسول الله، أي الصَّدقة أعظم أجرًا ؟ قال:
أن تصدَّق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت
الحلقوم ، قلتَ: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان"
(الراوي: أبو هريرة؛ المصدر: صحيح مسلم). يوضح هذا الحديث أن أعمال البرِّ كلَّما صعبت كان أجرها
أعظم، لأنَّ الصَّحيح الشَّحيح إذا خشي الفقر، وأمَّل الغنى صعبت عليه النَّفقة،
وسوَّل له الشَّيطان طول العمر، وحلول الفقر به، فمَن تصدَّق في هذه الحال، فهو
مؤثر لثواب الله على هوى نفسه. والإيثار قد يكون فطري أو
غريزي
وقد يكون الدافع إليه الإيمان، أي: حبَّ الخير للغير، على حساب النَّفس وملذَّاتها
ومشتهياتها. فالإيثار الفطري كالذي يكون عند الآباء والأمَّهات وأصحاب العِشْق، فالباعث عليه
الحبٌّ الشديدٌ
العارم، والحبُّ مِن أقوى البواعث الذَّاتية الدَّافعة إلى التَّضْحية بالنَّفس
وكلُّ ما يتَّصل بها مِن مصالح وحاجات مِن أجل سلامة المحبوب أو تحقيق رضاه، أو
جلب السَّعادة أو المسرَّة إليه. ويتجلى الإيثار
الفطري في ما راوته أم المؤمنين السيدة عائشة‘ فتقول: "جاءتني مسكينةٌ تحمِلُ
ابنتينِ لها فأطعَمْتُها ثلاثَ تمراتٍ فأعطتْ كلَّ واحدةٍ منهما تمرةً ورفَعت إلى
فيها تمرةً لِتأكُلَها فاستطعَمَتاها ابنتاها فشقَّتِ التَّمرةَ الَّتي كانت
تُريدُ أنْ تأكُلَها بينَهما فأعجَبني حنانُها فذكَرْتُ الَّذي صنَعتْ لرسولِ
اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: "إنَّ اللهَ قد أوجَب لها الجنَّةَ
وأعتَقها بها مِن النَّارِ"، (الراوي: أم المؤمنين السيدة عائشة؛ المصدر:
صحيح ابن حبان). فالإيثَار
دافعه حبُّ الأم لابنتيها ورحمتها بهما.

تعليقات