سُميت
قصة أصحاب الأخدود بهذا الاسم نسبة إلى الأخدود الذي أشعل فيه النار وألقي فيه
المؤمنون بالدين الجديد (الدين المسيحي).
والأخدود
شَقٌّ غائر أو فتحة عميقة أو حُفرة واسعة في الأرض، انشأها وقام على حفرها يوسف بن
شراحيل بن تبع الحميري ليعذب فيها نصارى نجران باليمن قبل مبعث رسول الله صلى
الله عليه وسلم بأربعين سنة، ويقال أنهم كانوا نيفًا وثمانين رجلا. ولم تقتصر
جرائم يوسف بن شراحيل على هذه المحرقة، فقد ارتكاب عددًا من الجرائم الأخرى بحق
المسيحيين في المخا وظفار يريم وأجزاء من مأرب وحضرموت (ويكيبيديا).
وقد
صور القرآن هذه المحرقة في سورة البروج في قول الله سبحانه وتعالى: "بِسۡمِ
ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلۡبُرُوجِ١ وَٱلۡيَوۡمِ
ٱلۡمَوۡعُودِ٢ وَشَاهِدٖ وَمَشۡهُودٖ٣ قُتِلَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأُخۡدُودِ٤ ٱلنَّارِ
ذَاتِ ٱلۡوَقُودِ٥ إِذۡ هُمۡ عَلَيۡهَا قُعُودٞ٦ وَهُمۡ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ
بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ شُهُودٞ٧، سورة البروج: 1-6.
ذكرت
سورة البروج قصة أصحاب الأخدود ذكرًا مبسطًا؛ حيث أثبتت السورة أنهم أحرقوا في
الأخدود، لأنهم آمنوا بالله، كما وصفت السورة الملك وأعوانه كشهود على هذه
المحرقة، مبينًة أن دافع الانتقام من هؤلاء المؤمنين هو فقط مجرد الإيمان بالله،
وأنهت السورة أحداث القصة بفتح باب التوبة لمن قاموا بهذه المحرقة، مع التوعد
بالانتقام ممن لم يتب منهم عن طريق إحراقه في الآخرة بنار الحريق.
أما
في السنة النبوية فقد ذكر سيدنا رسول الله قصة أصحاب الأخدود بالتفصيل، فقد قال
وقوله الحق: "كان ملكٌ في من كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك:
إني قد كبرت فابعث إليَّ غلامًا أعلمه السحر. فبعث إليه غلامًا يعلمه، وكان في
طريقه إذ سلك راهب، فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، وكان إذا أتى الساحر مرَّ
بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب فقال: إذا خشيت
الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر. فبينما
هو على ذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم آلساحرُ أفضل
أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجرًا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحبَّ إليك من أمر
الساحر، فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها ومضى الناس، فأتى الراهب
فأخبره، فقال له الراهب: أي بُنَيَّ، أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، فإن
ابتُليت فلا تدُلَّ عليَّ. وكان
الغلام يُبرِئ الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس الملك
وكان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة فقال: ما ههنا لك أجمع، إن أنت شفيتني، فقال: إني
لا أشفي أحدًا، إنما يشفي الله تعالى؛ فإن آمنتَ بالله تعالى دعوتُ الله فشفاك،
فآمن بالله تعالى، فشفاه الله تعالى. فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له
الملك: من ردَّ عليك بصرك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟! قال: ربي وربك الله،
فأخذه فلم يزل يعذِّبه حتى دلَّ على الغلام، فقال له الملك: أي بُنَيَّ، قد بلغ
من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل، فقال: إني لا أشفي أحدًا إنما يشفي
الله تعالى، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب فقيل له: ارجع
عن دينك، فأَبَى، فدعا بالمنشار فوضع المنشار في مَفْرِق رأسه فشقه حتى وقع
شِقَّاه، ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك. فأَبَى، فوضع المنشار في مفرق
رأسه، فشقه به حتى وقع شقاه. ثم
جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك. فأَبَى، فدفعه إلى نفرٍ من أصحابه فقال:
اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه،
وإلاَّ فاطرحوه. فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت. فرجف
بهم الجبل فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل بأصحابك؟ فقال:
كفانيهم الله تعالى. فدفعه إلى نفر من
أصحابه، فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور (سفينة صغيرة) وتوسطوا به البحر، فإن
رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم
السفينة فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ فقال:
كفانيهم الله تعالى، فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال: وما
هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع، ثم خذ سهمًا من كنانتي، ثم ضع
السهم في كبد القوس، ثم قُلْ: باسم الله رب الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك
قتلتني. فجمع
الناس في صعيد واحد وصلبه، ثم أخذ سهمًا من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس ثم
قال: باسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صُدْغه، فوضع يده في صدغه، فمات.
فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام.
فأُتي الملك فقيل له:
أرأيت ما كنت تحذر، قد والله نزل بك حذرُك قد آمن الناس. فأمر بالأخدود بأفواه
السكك، فخُدَّت وأُضرم فيها النيران وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه، ففعلوا،
حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أماه،
اصبري فإنك على الحق (الراوي: صهيب الرومي؛ المصدر: صحيح مسلم).
يخبرنا النبي
صلى الله عليه وسلم بما وقع لأصحاب الأخدود للعبرة والعظة، والصبر على البلاء، أي: إبتلاء. فقد يبتلى الانسان بمرض،
وقد يبتلى بالفقر، وقد يبتلى بشياطين الانس تمزق سيرته، وتنتهك حرماته، وتتناوله
سيرته بالسوء في كل مجلس ومحفل بالسر والعلن فعليه بالصبر والحلم، وليتذكر دائما
وأبدا قول الله سبحانه وتعالى: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ
وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ
الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ
وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ
وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-157]، وقول الله: إِنَّمَا
يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10]، وقوله جل في علاه:
"وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" [الأنفال:46]، وقوله لنبيه
ﷺ: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل:127]
تعد
قصة أصحاب الأخدود إلهام للمسلم أن يتحلى بالصبر و بقوة الإيمان لكي يستطيع تحمل
الابتلاءات و المصاعب، خاصة في عصر الاضطهاد؛ (البلاء والفتنة في التعبير الإسلامي).

تعليقات