كان الصحابي عامر بن فهيرة من السابقين إلى الإسلام، ومن المهاجرين
الأولين، ومن كتبة الوحي القرآني.
ولد عامر بن فهيرة التيمي سنة 36 قبل الهجرة، وكنيته أبوعمرو. كان
مولدًا من مولدي الأزد، أسود اللون، مملوكًا للطفيل بْن عَبْد اللَّهِ بْن سخبرة،
أخي عائشة لأمها (الإصابة في تمييز الصحابة).
أسلم وهو مملوك قبل أن يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بن
أبي الأرقم مستخفياً. عذب مع المستضعفين بمكة ليرجع عن دينه فأبى، مثلما عذب سيدنا
بلال، و آل ياسر وغيرهم. فقد تحمل ألوانا من التنكيل والعذاب، فكان مثلا للصبر
والثبات.
اشتراه سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأعتقه. عمل في رعى الغنم
لسيدنا أبى بكر بظاهر مكة. وكان يحرص على حضور مجالس الرسول عليه الصلاة والسلام لينهل
من علم وأدب وخلق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولما خرج رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بكر إِلَى غار ثور مهاجرين. قال
سيدنا أبوبكر لمولاه عامر بْن فهيرة أن يروح بالغنم علي أثرهما حتى لا يعلم كفار
قريش مكانهما. فكان عامر إذا إِذا غدا أو أمسى عَبْد اللَّهِ بْن أَبِي بكر أو
أسماء بنت أبى بكر من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيدنا أبى بكر بالغار اتبع
أثرهما بالغنم حتى لا يتعرف إليها المشركون، وكان يحلب للرسول عليه الصلاة والسلام
ـ ولأبي بكر اللبن، ويأتيهما بالأخبار.
فلما سار النَّبِيّ ﷺ وَأَبُو وبكر من الغار إلى المدينة هاجر معهما،
فحمله سيدنا أَبُو بكر خلفه، ومعهم دليلهم من بني الديل (ابن أريقط)، وهو مشرك،
فسلك بهم طريق الساحل صوب المدينة.
ولما لحق سراقة بن مالك بن جعشم بالركب المبارك، وحدث له ولفرسه ما
حدث، وتيقنه من أمر نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم. طلب سراقة كتاب أمان حينئذ أمر الرسول صلى الله
عليه وسلم عامر بن فهيرة بأن يكتب هذا الكتاب، فكتب في رقعة من أدم (قطعة من جلد
حيوان).
ولما دخلوا المدينة نزل عامر بن فهيرة على سعد بن خيثمة، وآخى الرسول
عليه الصلاة والسلام بينه وبين أوس بن معاذ، وجاهد تحت لوائه وغزا معه صلى الله
عليه وسلم عدة غزوات، وشهد بدراً وأحداً، وظهرت بطولته وفدائيته وحبه للجهاد في
سبيل الله، واستشهد يَوْم بئر معونة، سنة أربع من الهجرة، وهو ابن أربعين سنة.
كان عامر بن فهيرة تقياً ورعاً ومناقبه عظيمه وذكرت كتب السيرة أنه
لما قدم إلى المدينة أبو براء عامر بن مالك والملقب بملاعب الأسنة، فأهدى للرسول صلى
الله عليه وسلم فرسين وراحلتين، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: لا أقبل هدية
مشرك، وعرض عليه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم الإسلام، فلم يسلم، ثم قال للرسول صلى
الله عليه وسلم ابعث يا محمد من رسلك من شئت إلى أهل نجد، وأنا جار له، وكان رجلا
مسموع الكلمة في قومه بني عامر.
بعث الرسول عليه الصلاة والسلام إلى نجد وفداً برئاسة المنذر بن عمرو
الخزرجي رضي الله عنه في سبعين رجلا من خيار المسلمين كانوا يسمونهم القراء في
زمانهم. كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل ويتدارسون القران، فيهم عامر بن
فهيرة. ولما وصلوا إلى بئر معونة من أرض نجد (ماء من مياه بني سليم)، استنفر لهم
عامر بن الطفيل من بني سليم، فاجابوه، وأحاطوا بالمسلمين وحملوا عليهم السلاح
فقاتلهم المسلمون، فاستشهد جميع أفراد السرية ما عدا عمرو بن أمية الضمري رضي الله
عنه فأسروه، وأيضاً كعب بن زيد رضي الله عنه فقد تركوه على شفا الموت.
كان ممن قتل عامر بن فهيرة سنة 4 هجرية وهو في الأربعين من عمره.
ويروى عن عروة بن الزبير أنه قال: لمَّا قُتِلَ الَّذِينَ
ببِئْرِ مَعُونَةَ، وأُسِرَ عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، قالَ له عامِرُ
بنُ الطُّفَيْلِ: مَن هذا؟ فأشارَ إلى قَتِيلٍ، فقالَ له عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ:
هذا عامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ، فقالَ: لقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدَ ما قُتِلَ رُفِعَ إلى
السَّماءِ، حتَّى إنِّي لَأَنْظُرُ إلى السَّماءِ بيْنَهُ وبيْنَ الأرْضِ، ثُمَّ
وُضِعَ، فأتَى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خَبَرُهُمْ فَنَعاهُمْ، فقالَ:
إنَّ أصْحابَكُمْ قدْ أُصِيبُوا، وإنَّهُمْ قدْ سَأَلُوا رَبَّهُمْ، فقالوا:
رَبَّنا أخْبِرْ عَنَّا إخْوانَنا بما رَضِينا عَنْكَ، ورَضِيتَ عَنَّا،
فأخْبَرَهُمْ عنْهمْ، وأُصِيبَ يَومَئذٍ فيهم عُرْوَةُ بنُ أسْماءَ بنِ الصَّلْتِ،
فَسُمِّيَ عُرْوَةُ به، ومُنْذِرُ بنُ عَمْرٍو، سُمِّيَ به مُنْذِرًا (المصدر :
صحيح البخاري؛ خلاصة حكم المحدث: [صحيح).
في السنة العاشرة من الهجرة النبوية، قدِم على رسول الله صلى الله
عليه وسلم وفد بني عامر وفيهم: عامر بن الطُّفَيْل (زعيم مؤامرة قتل سبعين من
الصحابة في بئر معونة غدْراً) وَأَرْبَد بْن قَيْس، وكانا من رؤساء القوم ولا
يريدان الإسلام، ولكنهما ذهبا بسبب طلب قومهما منهما أن يذهبا إلى النبي صلى الله
عليه وسلم، فقد قال بنو عامر لعامر بن الطفيل: "يا عامر، إِنَّ النَّاسَ قَدْ
أَسْلَمُوا فَأسْلِمْ". فوافق عامر بن الطُّفَيْل وأَرْبَد بْن قَيْس على
الذهاب إلى المدينة المنورة، ولأنهما ـ عامر بن الطُّفَيْل وَأَرْبَدُ بْنُ قَيْس
ـ لا يريدان الإسلام فقد اتفقا فيما بينهما على الغدْر بالنبي صلى الله عليه وسلم
وقتله. وقد حفظ الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم من مؤامرتهما وأهْلكهما، فمات
أحدهما بالطاعون، وصُعِق الآخر بصاعقة من السماء.
ذكر ابن هشام في "السيرة النبوية"، وابن سعد في
"الطبقات الكبرى"، وابن كثير في "البداية والنهاية"، والسيوطي
في "الخصائص الكبرى" وغيرهم: أن عامر بن الطفيل قال لأَرْبَد بْن قَيْس:
"إذا قدِمْنا على الرجل (النبي صلى الله عليه وسلم)، فإني سأشغل عنك وجهه،
فإذا فعلت ذلك فاعْله (اقتله) بالسيف، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه
وسلم، قال عامر بن الطفيل: يا محمد، خالني (اتخذني صديقا)، قال: لا والله حتى تؤمن
بالله وحده، قال: يا محمد خالني، وجعل يكلمه وينتظر من أرْبد ما كان أمَرَه به،
فجعل أرْبد لا يحير (يفعل) شيئا، قال: فلما رأى عامر ما يصنع أربد، قال: يا محمد
خالني قال: لا، حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له. فلما أبَى عليه رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: أما والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا، فلما ولَّى قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اكفني عامر بن الطفيل. فلما خرجوا من عند رسول
الله صلى الله عليه وسلم، قال عامر لأربد: ويلك يا أربد أين ما كنتُ أمرتُك به؟
والله ما كان على ظهر الأرض رجل هو أخوف عندي على نفسي منك. وايم الله لا أخافك
بعد اليوم أبدا. قال: لا أبا لك! لا تعجل عليّ، والله ما هممتُ بالذي أمرتني به من
أمره إلا دخلت بيني وبين الرجل، حتى ما أرى غيرك، أفأضربك بالسيف؟ وخرجوا راجعين
إلى بلادهم، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، بعث الله على عامر بن الطفيل الطاعون في
عنقه، فقتله الله في بيت امرأة من بني سلول، فجعل يقول: يا بني عامر، أَغُدَّةٌ
(داء يصيب البعير فيموت منه، وهو شبيه بالطاعون) كَغُدَّةِ الْبَكْر (الفتى من
الإبل) في بيت امرأة من بني سلول!" (كانوا موصوفين باللؤم)، وركب فرسه فركضه
(رماه وداسه) حتى مات. وأما أرْبَد فقدِم على قومه فقالوا: ما وراءك يا أربد؟
فقال: والله لقد دعانا محمد إلى عبادة شيء لوددت أنه عندي الآن فأرميه بنبلي هذا
حتى أقتله، ثم خرج بعد مقالته بيوم أو يومين ومعه جمال له تتبعه، فأرسل الله عليه
وعلى جماعته صاعقة أحرقتهم".
ولما رأى بنو عامر بن صعصعة ما حلَّ بعامر بن الطفيل، وأربد بن قيس
أرسلوا وفدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلنوا إسلامهم، فعن عبد الله بن
الشخير رضي الله عنه قال: انطلقتُ في وفدِ بني عامِرٍ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى
اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقُلنا أنتَ سيِّدُنا فقالَ السَّيِّدُ اللَّهُ فقلنا
وأفضلُنا فضلًا وأعظمُنا طَولًا فقالَ قولوا قولَكم أو بعضَ قولِكم ولا
يستجرينَّكمُ الشَّيطانُ (المصدر : صحيح الجامع؛ خلاصة حكم المحدث : صحيح).

تعليقات