صَفِيَّة بنت عبد المطّلب بن هَاشِم القُرَشية الهاشمية
صَّحابية وشاعرة، وعمّةُ النبي محمد، وشقيقة سيدنا حمزة بن عبد المطلب لأبيه وأمه،
وأمّ الصحابي الزبير بن العوام المُلقب بـ"حواري رسول الله".
ومما يذكر من بديع شعرها، ما قالت في رثاء النبي صلى الله
عليه وسلم:
عين جودي بدمعــة
وسهــــود *** واندبي خير هالـك مفقـود
واندبي المصطفى بحزن
شديد*** خالط القلب فهو كالمعمود
كدت أقضـي الحياة
لمـــا أتــاه *** قدر خط في كتاب مجيــد
فلقــد كــــان
بالعبـــاد رؤوفـــا *** ولهم رحمة وخير رشيـــد
رضي الله عنـه حيـــاً
وميتـــاً *** وجزاه الجنان يوم الخلود
وُلدت في مكة، قبل الهجرة بثلاثة وخمسين عامًا، ونشأت بها.
و لمّا بلغت مبلغ النّساء تزوجها الحارث بن حرب بن أمية أخو أبي سُفيانَ بنِ
حَرْبٍ. ثم مات الحارث فتزوجها العوام بن خويلد بن أسد أخُو السيدة خديجةَ رضي
الله عنها. أنجبت من العوام الزبير بن العوام، والسائب بن العوام، وأم حبيب بنت
العوام، وعبد الكعبة بن العوام. وقد قُتِل العوام في حرب الفجار قتله مُرَّة بن
مُعتِّب الثقفيّ. (ويكيبيديا).
كانت السيدة صفية تكني ابنها الزبير بن العوام بأبا الطاهر
كنية أخيها الزبير بن عبد المطلب. وكانت تضربه وهو صغير وتُغلِظ عليه، فعاتبها
عمه نوفل بن خويلد وقال: "ما هكذا يُضرب الولد؛ إنك لتضربينه ضَرْب مُبْغضةٍ"
فقالت:
مَنْ قَالَ إِنِّي
أُبْغضه فقد كـذب *** وَإِنَّمَا أَضْرِبُهُ لِكَـي يَلَبْ
وَيَهْزِمَ الجَيْشَ
وَيَأْتِـي بَالسَّلَبْ***وَلا يَكُن لِمَالِهِ خَبْأٌ مُخَبْ*
* الجاهل الفاسد
أسلمت السيدة صفيّة، وبايعت رسول الله"، ومن حب النبي ﷺ لها أنها لما نزل قول الله سبحانه وتعالى:" وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ٢١٤"
(سورة الشعراء) نادها من على الصفا كما نادى ابنته السيدة فاطمة الزهراء، فقال:
"يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ، لَا أُغْنِي
عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي
عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا
أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ، لَا
أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ،
سَلِينِي بِمَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا". (الراوي: أبو
هريرة؛ المصدر: صحيج البخاري). .
أمر النبي أتباعه بالهجرة إلى المدينة المنورة، بعدما أتاه
وفد من أهلها وعاهدوه على الأمان ودعوه إلى الهجرة إلى مدينتهم التي آمن بدعوته
أغلب أبنائها. فهاجرت صفية بنت عبد المطلب مع أخيها حمزة وابنها الزبير بن العوام
(كتاب "صحابيات حول الرسول".
شهدت صفية مع رسول الله ﷺ الغزوات كلها، فقد شاركت في غزوة
أحد، فكانت تنقل الماء، وتروي العطشى، وتبرى السهام، وتصلح القسي، ولما انهزم
الناس وكان بيدها رُمْحٌ تَضْرِبُ فِي وُجُوهِهم وَتَقُولُ: انْهَزَمْتُمْ عَنْ
رَسُولِ اللَّهِ!.
وبعدما انتهت موقعة أُحد، واستُشهِد أخوها حمزة بن عبد
المطّلب ومُثِّل به، أقبلت صفيّة، فقال النبيّ لابنها الزبير: "رُدَّها؛
لئلاّ ترى ما بأخيها حمزة"، فلَقِيَها ابنُها الزبير فأعلَمَها بأمر النبيّ،
فقالت: "بلغني أنّه مُثِّل بأخي، وذلك في الله قليل، فما أرضانا بما كان من
ذلك، لأحتَسِبَنّ ولأصبِرَنّ". فأعلمَ الزبيرُ رسولَ الله بذلك، فقال: "خلِّ
سبيلها"، فأتته وصلّت عليه واسترجَعَت، فأمر رسول الله به فدُفن.
وقال النبي إعظامًا لحمزة: "لولا أن تحزن عمتي صفيّة،
لَتركتُ حمزة حتّى يُحشَر من بطون السباع وحواصل الطير". ويروى عن السيدة
صفية أَنَّ ذَهَبَتْ يَوْمَ أُحُدٍ بِثَوْبَيْنِ تُرِيدُ أَنْ يُكَفَّنَ فِيهِمَا سيدنا
حَمْزَةُ، وكان أَحَدُ الثَّوْبَيْنِ أَوْسَعُ مِنَ الْآخَرِ، فَوَجَدَتْ إِلَى
جَنْبِ سيدنا حمزة رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَأَقْرَعَتْ بَيْنَهُمَا،
فَكَفَّنَتْ الْقَارِعَ أَوْسَعَ الثَّوْبَيْنِ، وَالْآخَرَ فِي الثَّوْبِ
الْبَاقِي (صحيح
السيرة النبوية).
شاركت السيدة صفية في غزوة الخندق، ويروى عنها أنها كانت مع
نساء النبي في أُطُم (نوع من الحصون ولكن بناءه مدور) يقال له فارع، وكان معهن حسان
بن ثابت؛ فجاء إنسان من اليهود فرقى في الحِصْن، حتى أطلّ على النساء، فقالت
لحسان: انزل إليه فاقتله، فكأنه هاب ذلك، فأخذت عمودًا فنزلت إليه حتى فتحت البابَ
قليلًا قليلًا، فحملت عليه فضربته بالعمود فقتلته، فتكون أولُ امرأة قتلَتْ
رجلًا من المشركين (موسوعة تراجم الأعلام).
شهدت غزوة خيبر، وقتل فيها ياسر بن أبي زينب اليهودي أخا مرحب
(أحد أشهر فرسان يهود خيبر، وصاحب حصن مرحب المنيع أحد أقوى القلاع اليهودية في
خيبر. كان قائدًا من قادة اليهود في غزوة خيبر)، فذكر ابن
إسحاق: "أَنَّ
أَخَا مَرْحَبٍ، وَهُوَ يَاسِرٌ، خَرَجَ بَعْدَهُ وَهُوَ يَقُولُ: هَلْ مِنْ
مُبَارِزٍ؟ فَزَعَمَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ أَنَّ الزُّبَيْرَ خَرَجَ
لَهُ، فَقَالَتْ أُمُّهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: يَقْتُلُ ابْنِي
يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: "بَلِ ابْنُكِ يَقْتُلُهُ إِنْ شَاءَ
اللَّهُ". فَالْتَقَيَا فَقَتَلَهُ الزُّبَيْرُ. قَالَ: فَكَانَ الزُّبَيْرُ
إِذَا قِيلَ لَهُ: وَاللَّهِ إِنْ كَانَ سَيْفُكَ يَوْمَئِذٍ لَصَارِمًا،
يَقُولُ: وَاللَّهِ مَاكَانَ صَارِمًا، وَلَكِنِّي أَكْرَهْتُهُ" (البدية
والنهاية لإبن كثير). وقد أطعمها رسول الله أربعين
وَسْقًا بخَيْبَر
تُعدّ صفية من رواة الحديث النبويّ، روت عن النبي، وروى
عنها كل من: ابنها الزبير بن العوام، وحميد بن هلال، وجعفر بن الزبير، وربيع.
تُوفِّيت السيدة صفية في خلافة سيدنا عمر بن الخطّاب سنة 20 هـ، المُوافق للعام 640/641م، عن عمر يناهز الثلاثة والسبعين
عاما، وصلى عليها سيدنا عمر بن الخطاب، ودُفنت بالبُقِيع.

تعليقات