يقول المؤرخون أن السيدة هاجر كانت أميرة من الكنعانيين،
الذين يعتبرهم المؤرخون العرب القدامى من العماليق، وأن ملوكهم النماردة "جمع
نمرود"، وأنهم هم من يطلق عليهم المصريون اسم الهكسوس، وأنها بنت زعيمهم الذي
قتله الفراعنة، ومن ثم تبناها الفرعون. و يؤكد فريق من العلماء انها شقيقة الملك
المصري سنوسرت، وأنها. قبطية من قبط مصر، من قرية يقال لها: أمّ العرب نحو
الفرما. و"قبط"
(جمعها أقباط) تعني سكان مصر الأصليين، وأصلها يوناني وتعني "مصري" (aigyptios)، وتنسب إلي الأقباط أيضاً الثياب البيضاء الرقيقة من الكتان
(القبطية وجمعها "قباطي"). أما القرآن الكريم تنزيل رب العالمين ذكر أنها أم سيدنا
إسماعيل الذي ينحدر من نسله سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه
وتعالى: رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ
ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ
أَفِۡٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ
يَشۡكُرُونَ٣٧ (سورة إبراهيم)..
وتبدأ قصة السيدة هاجر وما لها من شأن عظيم وتكريم سماوي عظيم، لما
ذهب سيدنا إبراهيم وزوجته السيدة سارة إلى مِصر. ففي رحلتهما إلى أرض مصر رأى أحد
أعوان الملك السيدة سارة، ففتن بجمالها وحسنه، وسارع إلى المالك، وقال له: "ها
هنا رجل معه امرأة من أحسن النساء". فأرسل الملك إلى النبي إبراهيم، وسأله عن
السيدة التي بصحبته، فقال: إنها "أختي". رجع سيدنا إبراهيم إلى زوجته،
وأخبرها بأنه أخبر الملك بأنها أخته، وسألها ألا تكذبه عند الملك.
أرسل الملك إلى السيدة سارة، فلما أخذ يتناولها بيده أُخِذَ، فقال:
"ادعي الله لي ولا أضرك"، فدعت له فعاد سليمًا، ثم حاول أن يتناولها مرة
أخرى، فحدث أنه أُخِذَ مرة أُخرى، وطلب منها أن تدعو له مرة أُخرى، فتركها وشأنها،
وأعطاها السيدة هاجر.
عاشت
السيدة هاجر مع السيدة سارة فترة من الزمن، متحابتان في الله. فكانت السيدة سارة تعلم السيدة هاجر
مما تعلمته من سيدنا إبراهيم من أمور الدين الإسلامي والتوحيد الإلهي والعلم
الرباني. فسيدنا إبراهيم كان حنيفا مسلم، كما ذكر الله سبحانه وتعالى في قوله:
"ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من
المشركين" (سورة آل عمران: 67).
بلغت
السيدة سارة الست أو السبع وسبعين ولم تنجب، و صار سيدنا إبراهيم عليه السلام شيخا
وابيض شعره. ورأت رغم المحبة الكبيرة فى قلبها لزوجها
أو ربما بسببها، فى حلٍ كى لا يحرم زوجها نبى الله إبراهيم الذرية الصالحة، ترددت
كثيرًا وهى تنظر إلى هاجر وتفكر بها زوجة لزوجها بعد أن عرفت عنها حسن الأخلاق
والأدب الشديد منذ وهبها لها فرعون لتكون فى خدمتها.
ورغم أنها أجمل نساء الأرض التى فُتِن فرعون بجمالها، كانت غيرتها
تجعلها تتراجع كأى امرأة، وتخشى أن يهجرها إلى الزوجة الجديدة وينصرف عن محبتها
إليها، لكنها قست على قلبها وأخرست وساوسها وطرحت على زوجها الفكرة بعد أن غادرها
الأمل فى أن تكون أمًا يومًا ما.
تزوج
سيدنا إبراهيم من السيدة هاجر نزولا على رغبة السيدة سارة. وظهرت علامات الحمل على
السيدة هاجر وكانت فرحة لما وهبها الله في أحشائها. ومرت أيام الحمل وهي متلهفة
لأن ترى مولدها الأول، وكان يشاركها الفرحة سيدنا إبرهيم حمدا لله بكرة وعشيا أن
استجاب لدعائه ووهبه على الكبر سيدنا إسماعيل نبيا صادق الوعد صابرا من الاخيارـ
وذلك في قول سبحانه وتعالى: "وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِسۡمَٰعِيلَۚ
إِنَّهُۥ كَانَصَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا٥٤ وَكَانَ يَأۡمُرُ
أَهۡلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرۡضِيّٗا٥٥"
(سورة مريم: 54-.55)، و في قوله تعالى: "وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من
الصابرين وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين" (سورة الأنبياء الآية: 85)،
وقوله: "واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار" (سورة ص: 48).
بعد
أن ولدت السيدة هاجر سيدنا إسماعيل، شعرت سارة بالغيرة منها ومن حب سيدنا إبراهيم
لسيدنا إسماعيل عليه السلام. وهذه الغيرة سلوك لا تختلف فيه النساء، فهو جبلة
ربانية. فأراد الله سبحانه أن ينزع تلك الغيرة من قلبها، فأوحى إلى سيدنا إبراهيم
عليه السلام أن يسير بالسيدة هاجر وبرضيعها سيدنا إسماعيل إلى مكة، عند بيت الله
المحرم، حيث كان المكان واديا لا زرع به ولا ماء ولا ناس، في قوله سبحانه وتعالى:
"رَبَّنَا إِنِّى أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِى
بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا
الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ
مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (سورة إبراهيم: 37.)، .
ترك
سيدنا إبراهيم السيدة هاجر وولى ظهره عنها، ولما تعلقت بثيابه تسأله لماذا؟ وكيف
يذهب ويدعها مع ابنهما الرضيع في صحراء خالية؟ لم يجيبها، حتى سألته: أ الله أمرك
بهذا؟ فقال إبراهيم: نعم، فردت هاجر: فإنه لن يضيعنا، واستسلمت لأمر الله وحكمته.
وتمر
هاجر مع ابنها بواحد من أقسى المواقف في قصة سيدنا إسماعيل وهو أيضا من أعظمها،
حين نفد منها الماء وجف لبنها، واحتارت كيف تطعم ابنها الرضيع في الوادي المُقفر؟
فتطلعت حولها لم يكن هناك سوى الجبال، وبدأ صراخ الطفل يعلو فصعدت إلى أقرب جبل
لها وهو الصفا تتطلع لترى أحدا، فلم تجد. ثم
نزلت إلى الوادي، وصعدت إلى أقرب جبل آخر لها وهو المروة، كي تلحظ أي مارة
يساعدونها. ظلت هكذا تسعى متلهفة بين الصفا والمروة سبع مرات، فلما كانت في
المرة السابعة، وقد اشتد بها العطش، وأخذ منها التعب، وأنهكها المسير، دون أن تعثر
على الماء، نظرت إلى طفلها فإذا الماء ينبع من تحت قدميه، فأتته مسرعة وراحت تجمع
حوله الرمل وهي تقول: زم زم. ثم أخذت تشرب من الماء حتى ارتوت وانحنت على إسماعيل
لتسقيه. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فجاءَ المَلَكُ بِها، حتى انتهى إلى مَوضِعِ
زَمزَمَ، فضرَبَ بعَقِبِه ففارَت عَيْنًا، فعجِلَتِ الإنسانَةُ، فجعَلَت تَقدَحُ
في شَنَّتِها، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: رحِمَ اللهُ أُمَّ
إسماعيلَ، لولا أنَّها عجِلَت؛ لكانت زَمزَمُ عَيْنًا مَعينًا" (الراوي :
عبدالله بن عباس؛ المصدر: تخريج المسند لشعيب (شعيب الأرناؤوط؛ خلاصة حكم المحدث :
صحيح).
ثم
جاءت قبيلة جرهم واستأذنت من هاجر أن تبقى عند الماء، مقابل أن يقدموا لها أجراً
على ذلك فوافقت.
كبر
سيدنا إسماعيل، وتزوج، وكان بارا بأمه مطيعا لها حليما على نواكب الدهر ومصائبه.
وكيف لا يكون برا محبا مطيعا بها وهي من منحتها حياتها بأكملها.
ماتت
السيدة هاجر عن تسعين عاما ودفنها إسماعيل عليه السلام بجانب بيت الله الحرام.
ماتت بعد أن تركت لنا مثالا رائعا للفتاة المؤمنة، والزوجة المطيعة، والأم الحانية
والمؤمنة. وقد وفاها الله وأجزل فضله عليها، فعطر ذكرها بالسعي بين الصفا والمروة
في العمرة والحج، وأعظم ذكراها، ودفنها بجوار بيته، وآنسها في وحشتها، وآمنها في
غياب زوجها، ورزقها وطفلها من حيث لا تحتسب، وجعل من ذريتها سيدنا محمد صلى الله
عليه وسلم خاتم الأنبياء وأفضل خلق الله إلى يوم الدين. فرضي الله عنها وأرضاها
وجعل لنا في سيرتها القدوة الحسنة.

تعليقات