أبو عبيدة هو: عامر بن عبد
الله بن الجراح الفهري. وقيل: إن
فهر هو قريش، وأول مَن تلقَّب بقريش. كنيته
أبو عُبيدة بن الجرَّاح نسبة إلى جده. يجتمع نسبه مع نسب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عند فهر بن مالك، فالنبي من
أولاد غالب بن فهر، وأبو عبيدة من
أولاد الحارث بن فهر. أمه: أميمة بنت عثمان بن جابر الفهري (جمهرة أنساب العرب» لابن حزم الأندلسي)، أدركت
الإسلام وأسلمت. ( ابن حجر).
كانت زوجَ أبي عبيدة وأمَّ أولاده هي هند بنت
جابر بن وهب، وكان له ولدان: يزيد وعُمير. وقد قال مصعب الزبيري أنه: "قد انقرض ولدُ أبي عبيدة وإخوتِه"، وقد يكون ولداه قد ماتا
في
الطاعون وهما صغيران قبل أن ينجبا ذريةً.
أسلم أبو عُبيدة بن الجرَّاح قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم ابن أبي الأرقم. وقد أسلم في عصبة بعد ثمانية نفر سبقوا إلى
الإسلام (سيرة ابن هشام). وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة المنورة،
وشهد مع رسول الله ﷺ غزوة بدر والمشاهد كلها. وفي المدينة نزل
على
كلثوم بن الهدم الأوسي. وقيل أن رسول الله ﷺأخى بينه وبين أبي طلحة، وقيل بينه وبين زيد بن سهل بن الأسود الخزرجي، وقيل بينه وبين سالم مولى أبي حُذيفة، وقيل بينه وبين سعد بن معاذ.
تناقلت كتب المغازي والتاريخ والتفسير أن أبا
عبيدة قتل أباه يوم بدر كافراً. وقيل أن قول الله سبحانه وتعالى: "لَّا
تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ
حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ"( المجادلة: 22) نزلت فيه. فقد روي عن ابن مسعود أنه قال: نزلت هذه الآية في أبي عبيدة بن
الجراح لما قتل أباه يوم أحد، وفي أبي بكر لما دعا ابنه يوم بدر إلى البراز، وفي
مصعب بن عمير لما قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد، وفي عمر لما قتل خاله العاص بن
هشام بن المغيرة يوم بدر، وفي علي ، وحمزة ، [ وعبيدة ] قتلوا عتبة، وشيبة، ابني
ربيعة، والوليد بن عتبة يوم بدر.
في غزوة أحد كان من الذين ثبتوا في ميدان المعركة عندما بُوغت
المسلمون بهجوم المشركين، وأنه كان من المدافعين عن رسول الله ﷺ. ويُذكر أنه نزع يوم أحد الحلقتين اللتين دخلتا من المغفر في
وجنة النبي بثنيتيه، فانقلعت ثنيتاه، فكان أثرم، أي:أهتم. الاهتم هو من انكسرت
ثناياه من أصولها.
لما بلغ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن بعض
القبائل يريدون أن يُغيروا على سرح المدينة (الماشية بالمدينة) ترعى بمحل بينه
وبين المدينة سبعة أميال. أرسل أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلا إلى ذي القصة
في شهر ربيع الآخر سنة 6ه، فأغاروا علي هذه القبائل فأعجزوهم
هرباً في الجبال، وأسروا رجلاً واحداً، وأخذوا نعماً من نعمهم ورثة، أي: ثياباً
خَلِقةً من متاعهم، وقدموا بذلك إلى المدينة، فخمسه النبي محمد صلى الله عليه وسلم،
وأسلم الرجل، فتركه.
ولما بلغ رسول الله ﷺ أن جمعاً من قضاعة (قبيلة
عربية قديمة اختلف النسابة في نسبها فنسبوهم لحمير ومنهم من نسبوهم إلى معد) تجمّعوا
يُريدون أن يَدنوا إلى أطراف المدينة النبوية، بعث عمرو بن العاص ومعه ثلاثمئة في
جيش عرف بجيش ذات السلاسل في شهر جمادى الآخرة سنة 8ه ليؤدبهم ويثنيهم عن كيدهم. فلما قرب سيدنا عمرو بن العاص ومن معه من
القوم بلغه أن لهم جمعاً كثيراً، فبعث إلى رسول الله ﷺ يستمدّه، فبعث إليه
أبا عبيدة بن الجراح في مئتين، وبعث معه سراة المهاجرين والأنصار فيهم أبو بكر
وعمر، وأمره أن يلحق بعمرو وأن يكونا جميعاً ولا يختلفا. فلما لحق أبو عبيدة ومن
معه من مدد أراد أن يؤم الناس فقال عمرو: "إنما قدمت عليَّ مدداً وأنا
الأمير"، فأطاع له بذلك أبو عبيدة (رواية ابن سعد).
عن جابر بن عبد الله: بعث رسول الله ﷺ بعثاً نحو الساحل (سريةَ
الخبط في شهر رجب سنة 8 ه)، وأمّر عليهم أبا عبيدة بن
الجراح، وهم ثلثمائة، فلما كانوا ببعض الطريق فَنِيَ الزاد، فأمر أبو عُبيدة
بأزواد الجيش فجمعها، قال جابر: فكان يقوتنا كلَّ يوم قليلاً قليلاً. روي جابر بن
عبد الله غَزَوْنَا جَيْشَ الخَبَطِ (أي الجيش الذي يأكل ما يسقط من ورق
الشجر عند ضربه)، وأُمِّرَ أبو عُبَيْدَةَ فَجُعْنَا جُوعًا شَدِيدًا، فألْقَى
البَحْرُ حُوتًا مَيِّتًا لَمْ نَرَ مِثْلَهُ، يُقَالُ له العَنْبَرُ، فأكَلْنَا
منه نِصْفَ شَهْرٍ، فأخَذَ أبو عُبَيْدَةَ عَظْمًا مِن عِظَامِهِ، فَمَرَّ
الرَّاكِبُ تَحْتَهُ فأخْبَرَنِي أبو الزُّبَيْرِ، أنَّه سَمِعَ جَابِرًا، يقولُ:
قالَ أبو عُبَيْدَةَ: كُلُوا فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ ذَكَرْنَا ذلكَ
للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقالَ: كُلُوا، رِزْقًا أخْرَجَهُ اللَّهُ،
أطْعِمُونَا إنْ كانَ معكُمْ فأتَاهُ بَعْضُهُمْ فأكَلَهُ (المصدر : صحيح البخاري؛
خلاصة حكم المحدث (البخاري): صحيح). فكان أبو عبيدة يُؤمَّر على السرايا في العهد
النبوي، وهذا يدل على ظهور نبوغه العسكري والإداري في عهد سيدنا رسول الله صلى
الله عليه وسلم...
وفي قصة يوم سقيفة بني سعد ما يدلل على شخصية أبي
عبيدة بن الجراح، فقد ذهب إلى السقيفة بصحبة سيدنا أبي بكر وعمر. وما يدلل على تفرّده
وتفوّقه في مناقب القيادة قول سيدنا أبي بكر: "بايعوا عمر أو أبا عبيدة".
ولما لا وقد وصفه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه "أمين هذه الأمة".
وما روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها سُئِلَت: مَن كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى
اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ مُسْتَخْلِفًا لَوِ اسْتَخْلَفَهُ؟ قالَتْ: أَبُو بَكْرٍ،
فقِيلَ لَهَا: ثُمَّ مَنْ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ؟ قالَتْ: عُمَرُ، ثُمَّ قيلَ
لَهَا: مَنْ بَعْدَ عُمَرَ؟ قالَتْ: أَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ، ثُمَّ
انْتَهَتْ إلى هذا (الراوي : عائشة أم المؤمنين؛ المصدر : صحيح مسلم؛ خلاصة حكم
المحدث (مسلم) : صحيح).
ولما ولي سيدنا أبوبكر
الخلافة بعد أن قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم جهز سيدنا جهز أربعة جيوش لفتح الشام: جيش أبي عبيدة، وجيش يزيد بن أبي
سفيان، وجيش شرحبيل بن حسنة، وجيش عمرو بن العاص. كانت القيادة العامة لهذه الجيوش
لسيدنا أبي عبيدة بن الجراح. وخصَّ سيدنا أبوبكر كلَّ جيش بقطاع من أرض الشام: فأبو عبيدة لحمص، ويزيد لدمشق، وشرحبيل للأردن، وعمرو لفلسطين.
وقبل قدوم عمرو بن العاص بجيشه، وقعت معركة داثن في سنة 13هـ. وهي أول معركة صغيرة في تاريخ فتح الشام بعد مؤتة وسرية أسامة بن
زيد، وقد بدأت في وادي عربة وانتهت في داثن. انهزم الروم في وادي عربة وتبعهم المسلمون إلى
مكان يسمى «الدُّبيَّة» على بُعد عشرة أميال للجنوب الشرقي من مدينة رفح، ومنها هرب الروم إلى داثن، فلحق بهم المسلمون وانتصروا
عليهم، وهرب فلُّهم، وبها سيطر المسلمون على جنوب فلسطين أو منطقة غزة.
قرّر الخليفة أبو بكر الصديق أن يضم جيش خالد بن الوليد في العراق إلى جيوش الشام، فكتب إليه في المحرّم سنة 13ه: أن يمضي متخفيا إلى
الشام وأن يلقى جيش أبا عبيدة بن الجراح ومَن معه من المسلمين وأن تقوم بالمقام على
جندها و أن تتولى أمره. وكتب سيدنا خالد إلى أبي عبيدة بن الجراح: "لقد أتاني كتابُ
خليفة رسول الله يأمرني بالمسير إلى الشام،... ووالله ما طلبتُ ذلك ولا أردْتُه
ولا كتبتُ إليه فيه، وأنت رحمك الله، على حالك التي كنتَ بها، لا يُعصى أمرُك ولا
يُخالف رأيُك، ولا يُقطعُ أمرٌ دونَك، فأنت سيدٌ من سادات المسلمين، لا يُنكر
فضلُك ولا يُستغنى عن رأيك»".
وكانت أول مدينة محصَّنة فتحها المسلمون بعد وصول سيدنا خالد
بجنده مدينة بصرى (مدينة
تاريخية مشهورة في الشام) قصبة (عاصمة أو
مركز) حوران (جنوب سوريا وشمال الأردن)،
وكان ذلك في الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول سنة 13هـ. وبعد بُصرى توجه أبو
عبيدة وخالد بن الوليد إلى حصار دمشق، وبقي شرحبيل في بُصرى، ويزيد بن أبي سفيان في البلقاء (منطقة جغرافية
في وسط الأردن تُعرف عمومًا باسم مرتفعات شرق وادي الأردن، تقع بين نهر الزرقاء في
الشمال ومضيق وادي الموجب في الجنوب)، وعمرو بن العاص في فلسطين.
وبينما كان أبو عبيدة وخالد يُقاتلان بجهة دمشق،
خرجَ الروم من حمص بجيش كبير مُتَّجِهاً نحوَ بُصرى لاستردادِها وقَطْعِ جيش أبي
عبيدة وخالد عن بقية الجيوش. أما جيش الروم الكبيراً قد نزل بأجنادين من جنوب فلسطين. فاستقرّ
رأي خالد و أبو عبيدة على أن يتجها إلى أجنادين حيث الجيش الرومي الأكبر، وأن
يكتبا إلى جيوش المسلمين الأخرى للاجتماع في ذلك المكان. وفي أجنادين (تقع في
فلسطين قرب مدينتي الرملة وبيت جبرين) في يوم السبت السابع والعشرين من جمادى
الأولى سنة 13ه كان اللقاءٌ الفاصل بين جيش الروم الذي يبلغ عدده حوالي مائة ألف،
وبين جيش المسلمين البالغ عدده حوالي ثلاثين ألفاً، فانتصر المسلمون وهُزم الروم هزيمة
نكراء. انتهى خبر الهزيمة إلى هرقل، فهرب من حمص إلى أنطاكية. وبعد هزيمة الروم في أجنادين أصبحت فلسطين كلها مكشوفة
أمام المسلمين.
بعد وفاة سيدنا أبي بكر الصديق في 21 جمادى
الآخرة سنة 13ه، أمَرَ سيدنا عمر بن الخطاب بتولية أبي عبيدة أميراً على الجيوش
وعلى الشام، فكتب إلى أبي عبيدة: "قد ولّيتك جماعة المسلمين". أما
تاريخ تولية سيدنا أبى عبيدة لم يتفق غليه المؤرخين، فقيل أثناء حصار دمشق، وقيل أثناء
معركة اليرموك. أما سيدنا خالد لما عزل عن الولاية فقال: بعث عليكم أمين هذه الأمة
(الإمام أحمد عن عبد الملك بن عمير)، فقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أمين
هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.، قال أبو عبيدة: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: خالد سيف من سيوف الله
ونِعْمَ فتى العشيرة.".
أراد هرقل وقفَ زحفِ المسلمين الذين وصلوا إلى
دمشق، فحشد نواحي "فحل ( في غور الأردن قرب مدينة بيلّا الرومية، تسمى حالياً
طبقة فحل)" جنداً كثيراً، فقابلهم المسلمون بحشدِ مُعْظَمِ جُندِهم بالشام،
وعلى رأسهم أبي عبيدة بن الجراح القائد العام في 28 ذي القعدة سنة 13هـ. فاقتتل
الفريقان قتالاً شديداً استمرّ ليلتهم ونهارهم، فلما أظلم الليل التالي أصاب
المسلمون قائدَ الروم والذي يليه، وقتلوا من الروم ألوفاً، ولم ينجُ منهم إلا
الشريد. وحوصرت "فحل"، فكانت أول المدن المحاصَرة في الشام، فسأل أهلها
الأمان على أداء الجزية، فترك عليهم
أبو عبيدة فيها الأمير شرحبيل بن حسنة الذي استمر عليها والياً إلى أن هلك في طاعون عمواس.
بعد معركة فحل، توجه أبو عبيدة بن الجراح بجيوش
المسلمين من الأردن إلى دمشق فحاصرها من جميع جهاتها أربعة أشهر، وتم الفتح في
بواكير فصل الشتاء يوم الأحد 15 رجب سنة 14هـ. .
أمضى المسلمون بقية الفصل البارد في دمشق، وبعد
انقضاء فصل الشتاء توجه أبو عبيدة وخالد بن الوليد إلى حمص لفتحها، و في
الطريق فتحوا بعلبك، وكتب أبو عبيدة لأهلها كتاب أمان، ووصلوا إلى حمص فتمّ فتحها
دون مقاومة صلحاً.
وعندما كان أبو عبيدة في حمص، جمع الرومَ جموعاً
لا حصر لها، واتجهوا إلى جنوب الشام. لما علم أبو عبيدة بأمر الروم جمع رؤوس
المسلمين لمشاورتهم، فقرروا الانسحاب من حمص والعودة إلى المناطق المفتوحة من
بلاد الشام.
و لما أصبح الصباح، أمر أبو عبيدة برحيل جيش
المسلمين من حمص إلى دمشق، ورَدَّ عليهم مالهم؛ أي ما أخذ منهم من جزية، فأخذ أهل
حمص يقولون: "ردَّكم الله إلينا، ولعن الله الذين كانوا يملكوننا من الروم. ولو
كانوا هم ما ردّوا علينا شيئاً، بل غصبونا وأخذوا ما قدروا عليه من أموالنا... إن
ولايتكم وعدلكم أحبُّ إلينا مما كنا فيه من الظلم".
بعد انسجاب المسلمين من حمص دخلها جحافلُ الروم، ثم تحركت جنوباً خلال وادي البقاع إلى بعلبك، ولم يتجهوا إلى دمشق حيث اجتمع المسلمون وإنما اتجهوا
إلى
الحولة في اتجاه نحو الجنوب. رأى المسلمون في مسار الروم حركة التفاف
يستهدفون بها قطعَ خط الرجعة على جيش المسلمين وحصرَه بين جيشهم وبين أرض ليست في
يد المسلمين. اتفق قادةُ الجيوش الإسلامية بعد تشاور على أن تجتمع جيوشهم في الجابية ومنها
تتجه إلى اليرموك. وانعقد مجلس الشورى في الجابية، وتعددت الآراء، فمنهم من رأى
الرجوع إلى حدود آيلة (العقبة) ومنهم من رأى الثبات في المكان. وقال خالد بن الوليد: "أرى
والله إن كُنّا نقاتل بالكثرة والقوة، فهم أكثر منا وأقوى علينا، وما لنا بهم
طاقة، وإن كنا إنما نقاتلهم بالله ولله، فما أن جماعتهم ولو كانوا أهل الأرض
جميعاً تُغني عنهم شيئاً"، ثم وجَّه كلامه لأبي عبيدة قائلاً: "فولِّني
ما وراء بابك وخلِّني والقوم، فإني لأرجو أن ينصرني الله عليهم"، قال أبو
عبيدة: "قد فعلتُ"، فولى أبو عبيدة خالداً سلطانه في القيادة العامة
على جيوش المسلمين بالشام. وضع خالدٌ خطةَ القتال،
ونظَّم جندَ المسلمين بإزاء الروم، وقيل إنه قسّم الجيش ميمنة وميسرة وقلباً،
واتّبع أسلوباً جديداً في تعبئة الجيش هو طريقة الكراديس أو الكتائب، وقسّمه إلى
كتائب مشاة وكتائب خيالة، فحوّل الجيش إلى ستة وثلاثين كردوساً، وجعل أبا عبيدة
وشرحبيل بن حسنة قائدين لكراديس القلب، وعمرو بن العاص على كراديس الميمنة، ويزيد
بن أبي سفيان على كراديس الميسرة، وبقي خالد في الوسط تحت راية العُقاب، وحشد الرماة على الجانبين، واضعاً النساء خلف
الجيش، ودامت المعارك ستة أيام، وكانت خطة المسلمين فصلَ مشاة الروم عن خيَّالتهم
لإبقاء المشاة تحت سيطرة المهاجمين المسلمين، وتقهقر الروم شمالاً باتجاه المخاضة
في
وادي الرقاد (رافد نهر اليرموك) على
المنحدر الشرقي منه، وعندما انتقل مشاة الروم المسلسلين إلى المنحدر الغربي بدؤوا
يتهاوون إلى الواقوصة( إحدى القرى التابعة لمركز الخشنية التابع لمحافظة القنيطرة في
هضبة الجولان) ألوفاً.
انتهت المعركة بهزيمة ساحقة للروم، وبنصر باهر
للمسلمين، وكانت أكبر كارثة حلَّت بالإمبراطورية البيزنطية، انهار على إِثْرِها
الحكمُ البيزنطي في بلاد الشام، وغادر هرقل أنطاكية وهو يقول: "وداعاً
يا سورية وداعَ مَن لا يعود إليكِ". كما عُدَّت معركة اليرموك التي وقعت في
رجب سنة 15هـ من أعظم فتوح المسلمين. يسَّر فتح اليرموك فتح العراق، ومدَّ حركة الفتح إلى مصر.
بعد اليرموك طارد خالد بن الوليد فلول الروم
ووصل إلى حمص، فتبعه أبو عبيدة وتوجّه إلى حمص. وبعث خالداً بنَ الوليد إلى قنسرين (تقع على بعد 25 كم (16 ميل) جنوب غرب حلب على الضفة
الغربية لنهر قويق)، ثم رحل أبو عبيدة إلى حلب، فوجد أهلها قد تحصنوا ثم طلبوا الصلح والأمان على أنفسهم
وأموالهم وسور مدينتهم ومنازلهم فأُعطوا ذلك واستثنى عليهم موضعاً للمسجد. ثم سار
إلى
أنطاكية التي ظلت مدة الفتوح مقرّ هرقل ومأمنه، ففتحها أبو عبيدة عام
638م، وقد صالح أبو عبيدة أهلها على الجزية والجلاء، فجلا بعضُهم وأقام بعضُهم،
ولمّا فُتحت أنطاكية كتب عمر إلى أبي عبيدة أن يرتب بها جماعة من المسلمين من أهل
النيّات والحسبة، وأن يجعلهم مرابطين بها، ولا يحبسَ عنهم العطاء. وبلغ أبا عبيدة
أن جمعاً للروم بين معرة مصرين وحلب، فلقيهم وفضَّ جمعهم وسبى منهم وغَنِم، وفتح معرة مصرين (هي
منطقة تاريخية في سوريا، يعتقد أن اسمها مشتق من "مغارة الأمطار" أو
"الأمطار" باللغة السريانية، ويشير البعض إلى أن "مصرين" في
السريانية تعني الأمطار) على مثل صلح حلب، وجالت فرسان أبي عبيدة فبلغت بوقة. وفُتحت قرى جُومة وسَرْمين ومَرْتَحْوان (من نواحي حلب) وتيزين".
وفتح أبو عبيدة
جميع أرض قنسرين (تقع على بعد 25 كم (16 ميل) جنوب غرب حلب على الضفة الغربية لنهر
قويق [نهر بيلوس تاريخياً]) وأنطاكية. وسار يريد غورُس (مدينة ومركز المجتمع
الحضري في بلدية غوريس، تقع في مقاطعة سيونيك في جنوب أرمينيا في وادي نهر غوريس)،
فتلقاه راهب من رهبانها يسأل الصلحَ عن أهلها، فصالحه، ثم أتى قورس فعقد لأهلها
عهداً وأعطاهم مثل الذي أعطى أهل أنطاكية.
وأتى أبو عبيدة حلب الساجور (نهر الساجور الذي يمر بمنطقة ريف حلب الشرقي)، وقدَّم
قوة إلى منبج، ثم لحقها وصالح أهلها على
مثل صلح أنطاكية، وبعث عياض بن غنم إلى ناحية دُلُوك ورَعْبان فصالح أهلها على
مثل صلح منبج واشترط عليهم أن يبحثوا عن أخبار الروم ويكاتبوا بها المسلمين. ثم
سار أبو عبيدة حتى نزل عراجين وقدَّم مقدِّمَتَه إلى بالس أو بارباليسوس ( قلعة ومدينة أثرية تقع بين مسكنة والطبقة
عند انعطاف نهر الفرات إلى الشرق)، وبعث حبيب بن مسلمة في جيش إلى قاصرين (مدينة
الأندرين البيزنطية القديمة قرب حماة في سوريا، التي كانت تعرف تاريخيًا
بـ"القصرين") فجلا أكثر أهلها
إلى جسر منبج وبلاد الروم والجزيرة، ورتّب أبو عبيدة حامية في بالس، وأسكنها قوماً
من عرب الشام أسلموا بعد قُدوم المسلمين إلى الشام، كما أسكن قاصرين قوماً، وبلغ
أبو عبيدة الفرات ثم رجع إلى فلسطين. واستخلف أبو عبيدة على حمص عبادة بن الصامت قبل أن يمضي إلى بيت المقدس، فأتى عبادةُ اللاذقية ففتحها، وفتح بقية
الساحل؛ جبلة وطرطوس.
بقيت بيت المقدس من آخر المعاقل التي تحصَّن
الروم وراء أسوارها، وتم فتحها في خلافة عمر بن الخطاب، وفي أمارة أبي عبيدة بن
الجراح على الشام. وبعد أن فرغ أبو عبيدة من فتح شمال الشام، عاد إلى فلسطين،
وكان عمرو بن العاص يحاصر القدس، حيث صارت جيباً معزولاً محاصراً فوق الجبال، فلما
وصل أبو عبيدة طلب أهل القدس أن يصالحهم على مثل صُلح أهل مدن الشام، وأن يكون
المتوليَ لعقد الصلح عمرُ بنُ الخطاب، فكتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب برغبة أهل
بيت المقدس، فلبَّى عمر وحضر إلى الشام، فتمَّ فتح القدس في شهر ربيع الأول سنة 16هـ ونُقِل عن عمر بن الخطاب بإسناد حسن إلى أبي موسى الأشعري قال: إني كنتُ مع أبي عبيدة بالشام عام طاعون عمواس، فلما اشتعل الوجع،
وبلغ ذلك عمر، كتب إلى أبي عبيدة ليستخرجه منه: "أن سلامٌ عليك، أما بعد:
فإنه قد عُرِضَتْ لي حاجةٌ أريد أن أُشافِهَك فيها، فعزمتُ عليك إذا نظرت في كتابي
ألا تضعه من يدك حتى تُقبِل إليَّ"، قال: فعَرف أبو عبيدة إنما أراد أن يستخرجه
من الوباء، فقال: "يغفرُ الله لأمير المؤمنين"، ثم كتب إليه: "يا
أمير المؤمنين، إني قد عرفتُ حاجتك إليَّ، وإني في جُند من المسلمين، لا أجدُ
بنفسي رغبةً عنهم، فلستُ أريد فراقَهم حتى يقضيَ الله فيَّ وفيهم أمرَه وقضاءه،
فحلّلني من عزمتك يا أمير المؤمنين ودعني في جندي"، فلما قرأ عمرُ الكتاب
بكى. فقال الناس: "يا أمير المؤمنين! أمات أبو عبيدة؟" قال: "لا،
وكأن قد"؟
وقد كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة فيما بعد أن
يرتحل بالمسلمين من الأرض الغَمِقَة التي تكثر فيها المياه والمستنقعات إلى أرض
نَزِهَةٍ عالية، قال عمر: "أما بعد، فإنك قد أنزلت الناسَ أرضاً غمقة (من
الغمق وهو فساد الريح وخمومها) فارفعهم إلى أرضٍ مرتفعة نزهة»، قال الراوي (وهو
أبو موسى الأشعري): فلما أتاه كتابه دعاني فقال: "يا أبا موسى، إن كتاب أمير
المؤمنين قد جاء بما ترى، فاخرج فارتَدْ للناس منزلاً حتى أَتْبَعَك بهم"،
فرجعتُ إلى منزلي لأرتحلَ فوجدتُ صاحبتي (زوجي) قد أُصيبت فرجعتُ إليه، فقلتُ له:
«والله لقد كان في أهلي حدثٌ»، فقال: «لعل صاحبتك أصيبت»، قلتُ: «نعم»، قال: فأمر
ببعيره فرُحِلَ له، فلما وضع رجله في غرزه طُعِن (أصيب بالطاعون)، فقال: "والله
لقد أُصبتُ"، ثم سار بالناس حتى نزل الجابية، ورفع عن الناس الوباء.
لكنَّ أبا عبيدة علّل بقاءه "بأسباب صحّيّة
واجتماعية وسياسية وقيادية، يُنظِّمها الدين في نظامه، وتُعدُّ مَثَلاً أعلى
للقيادة الأمينة، وأبو عبيدة أمين هذه الأمة، حيث قال معلِّلاً سبب ثباته: إني في
جُندٍ من المسلمين ولا أجد بنفسي رغبةً عنهم".
يوجد حاليّاً «مزار أبي عبيدة» في "غور البلاونة" على
الطريق العام الذي يقطع غور الأردن من الشمال إلى الجنوب، وعلى بعد أربعين كيلاً من مدينة السلط. وكان الظاهر بيبرس قد بنى على قبر أبي عبيدة مَشهداً، وأوقف عليه وقفاً ريعه للمؤذّن والإمام.
روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك أن النبي محمداً قال: "إن لكل أمة أميناً، وإن أميننا أيتها الأمة:
أبو عبيدة بن الجراح". وقال ابن حجر العسقلاني: «والأمين هو الثقة الرضي. وروى مسلم عن أنس: أن أهل اليمن قدموا على رسول الله فقالوا: "ابعث معنا رجلاً يعلمنا
السنة والإسلام"، قال: فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: "هذا أمين هذه الأمة".
روى جمعٌ من الرواة قالوا: قدم عمرُ الشام، فتلقاه الأمراءُ
والعظماءُ فقال: "أين أخي أبو عبيدة؟"، قالوا: "يأتيك الآن"،
فجاء على ناقة مخطومة بحبل، فسلَّم عليه ثم قال للناس: "انصرفوا عنا"،
فسار معه حتى أتى منزله، فنزل عليه، فلم يَرَ في بيته إلا سيفه وتُرسه ورحله، فقال
له عمر: "لو اتَّخذتَ متاعاً، أو قال: شيئاً"، فقال: "يا أمير
المؤمنين، إن هذا سيبلغنا المقيل (أن عدم الاكتراث بالدنيا والزهد فيها ليس في ترك
الحلال أو إضاعة المال، بل في عدم التعلّق بها وعدم القلق على ما فات منها، والعيش
بالزهد بما يكفي للوصول إلى المقيل (النهاية) دون أن تُثقلنا أعباء الدنيا).
كان أبو عبيدة أصبحُ الناس وجه نحيفاً، معروق
الوجه، خفيف اللحية، طوالاً، أجنأ (أو أحنى) أثرم الثنيتين، وقال الذهبي: إنه كان يخضب
بالحناء والكتم (نبات يُستخدم كصبغة طبيعية لصبغ الشعر باللون الداكن (البني أو
الأسود)، وعادةً ما يُخلط مع الحناء لتحقيق اللون الأسود أو لتحسين قوة الشعر
وكثافته)، وكان له عقيصتان.
يُروى أن أبا عبيدة كان يعمل في حفر القبور، فقد
أخرج
أحمد وابن سعد والبيهقي عن ابن عباس قال: لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله ﷺ كان بالمدينة
رجلان: أبو عبيدة يضرح وأبو طلحة يلحد، فدعا العباس رجلين، وأخرج ابن سعد من طريق عبد الله بن
أبي طلحة قال: اختلفوا في الشق واللحد للنبي ﷺ فقالوا: "اللهم
خر لنبيك (اللهم ارزقني الخيرة (الأفضل) في هذا الأمر، واجعل لي الاختيار الصائب
فيه، وألهمني فعله، واجعل لي فيه الخير كله، واصطفِ لي صفوة الخيرات)، ابعثوا إلى
أبي عبيدة وإلى أبي طلحة فأيهما جاء قبل الآخر فليعمل عمله"، فجاء أبو طلحة
فقال: "والله إني لأرجو أن يكون الله تعالى قد خار لنبيه أنه كان يرى اللحد
فيعجبه".

تعليقات